-أماه: أني أرى الأنشوطة تقترب من عنقي-: القصة الكاملة لإعدام الفتاة الإيرانية

نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com
2009 / 5 / 15

"أماه: أني أرى الأنشوطة تقترب من عنقي"

لماذا شنقت ديلارا؟ القصة الكاملة لإعدام الفتاة الإيرانية، وكيف أوصلها الجهل بالقانون إلى حبل المشنقة؟

"أماه: أني أرى الأنشوطة تقترب من عنقي"، بهذه الكلمات الخافتة الموؤودة المعبـّرة والمؤثرة، ومن قلب سجن راشت المركزي، في طهران، كانت تلك الكلمات تخرج من حجرتها بحشرجة مكبوتة وألم عميق، واختتمت بها الفتاة الإيرانية ديلارا دارابي، ضحية الجهل بالقانون، وبطبيعة التفكير السائد في هذه المنطقة، مكالمتها الهاتفية، مع والديها، وذلك قبيل ساعات من التفاف حبل المشنقة حول عنقها الطري، الأمر الذي أثار موجة عارمة من السخط والحنق، عبر العالم ضد ذلك الفعل، وأردفت بكلمات أخرى متوسلة، ودامعة: " سوف يجهزون علي يا أمي، انقذيني من فضلك". ولكن لم يكن هناك، على ما يبدو، قدرة لأي كان على إنقاذ رقبتها من حبل المشنقة، بعد أن صدر الأمر بتنفيذ الحكم ضدها، وعلى الرغم من أنها كانت قد منحت مهلة شهرين إضافيين، كما تم إخبارها، وذلك قبل تنفيذ الحكم بأسبوعين، وسارعت إلى إعلام ذويها بالأمر في حال من الفرح، علّ استئنافاً ما قد ينفع، أو يفلح إبان تلك الفترة المعطاة، غير أن شيئاً من تلك الآمال لم يتحقق، ليبقى التنفيذ، بعدها، وبتلك السرعة، والطريقة، واحداً من ألغاز هذه المأساة الغريبة.

هذا وتقتضي تقاليد القانون الإيراني إخطاراً لذوي المدان الذي سيتم تنفيذ الحكم به، وذلك قبل 48 ساعة من تنفيذ الحكم، غير أن شيئاً من هذا لم يتحقق أيضاً، ليضيف سراً آخراً لأسرار المأساة.

وتعود مأساة الفتاة اليافعة ذات الـ22 ربيعاً، إلى سبتمبر/أيلول من العام 2003، أي وقت أن كان عمرها آنذاك 17 عاماً، حين أدينت بقتل ابن عم والدها الثري، بعد أن اعترفت بذلك، بناء على طلب من صديقها أمير حسين لتقول ذلك، والذي كان هو، وطمعاً بالمال، القاتل الفعلي، إنقاذاً له، كما أقنعها كونها تعتبر حدثاً، وقاصراً بحكم القانون، وتحت السن القانونية، ولن تتم مقاضاتها بناء على ذلك، وحكم على صديقها لاحقاً بعشر سنوات سجن بجرم التواطؤ بالقتل. فما كان من المسكينة إلا أن أكدت التهمة عليها، ونالت نصيبها المأساوي المحزن. ولم يبد أنه كان بالإمكان التراجع عن ذلك.

لقد كانت ديلارا دارابي، وبعيداً عن ذلك كله، فنانة تشكيلية ورسامة من طراز خاص تعبر بريشتها عما يجول في أعماقها من وجدانيات وأحاسيس تعكسها على تلك اللوحات البيضاء، غير أن ذلك كله لم يكن ليعني شيئاً لهيئة قضائية لا ترحم ولا تأخذ لا باعتبارات الفن، ولا الطفولة على حد سواء، ولم تنفع معه كل توسلات ومناشدات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان ومحامي الضحية الذين استنفذوا كل ما في جعبتهم من مهارات دفاعية.

تلك مأساة هذه الفتاة التي كتبت آخر فصولها مع اعتلائها حبل المشنقة، وإنها لرمزية بالغة، ومؤثرة، بالفعل، أن تكون آخر لوحاتها التي رسمتها بأناملها الناعمة، وأهدتها لمحاميها الخاص، هي لرجل عجوز يعزف على الكمان، وربما لم تكمن تدري أنه كان يعزف لحن قصة موتها، بالذات.

إنه الإعدام وطريقة إزهاق الروح بشكل وحشي مريع تقشعر له الأبدان في عالم يتجه يومياً وبخطى حثيثة نحو أنسنة أكثر جمالاً ورأفة وعدالة بعيداً عن عوالم التوحش والموت المخيف الذي يجعل من تلك الخاتمة الإنسانية مأساة تنطوي على ازدواجية في الأبعاد.