قطع رؤوس عراقيين في السعودية بين الواقع واللاواقع

مصطفى محمد غريب

2011 / 1 / 15

في المقدمة نؤكد أن الإعدام أي إعدام عملا غير إنساني ومكروه على الرغم من تعامل أكثرية الدول العربية والإسلامية به ومن بينها العراق وكذلك بعض الولايات الأمريكية وبضعة من دول العالم، وكما أرى إن عملية الإعدام عبارة عن ثواني معدودة وينتهي كل شيء وبعد فترة ينسى الحادث إلا نادراً بينما القصاص العادل والتربوي هو السجن المؤبد ليس للمدان وحده بل للكثيرين بدءاً من عائلته وإلى كل من يعرف بأمره وفي الوقت نفسه تعذيب نفسي يومي للمجرم الذي يعيش سنين حياته في تلك العزلة وما يراه ويسمع عنه خارج سجنه ومن عائلته ومعارفه.
منذ فترة أثيرت ومازالت ضجة من قبل البعض حول قطع رأس ( 40 ) مواطناً عراقياً في السعودية وهو ما أثقل قلوبنا بالحزن والألم، وقطع الرأس في السعودية تشريع إسلامي معروف للذين يرتكبون جرائم عظمى وهذا القانون معمول به منذ تأسيس السعودية وهو امتداد للدولة الأموية والعباسية والعثمانية.. الخ لكن ما يحير أن الضجة الإعلامية والتصريحات لم تبين لماذا قطعت رؤوس الـ ( 40 ) عراقي واقتصرت على المطالبة بالكشف عنهم، لسنا من يريد التكذيب بهدف الدفاع عن السعودية وفي الوقت نفسه لسنا إمعات مطيعة لا نبحث عن مصداقية الأخبار وبخاصة أنها من جانب البعض من لهم رأي بالسعودية وسياستها وأكثريتهم محسوبين على جهات أخرى في جوهر تحالفاتهم، وكما اشرنا نحن لا ندافع عن السعودية ولنا رأي مستقل ومعروف فيما يخص سياستها في مجال الحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان وما يهمنا في هذا الأمر معرفة الحقيقة بدون أي مجاملة ولا انحياز، وانحيازنا لأبناء شعبنا أن صح ما تناقلته البعض من وسائل الإعلام وتبناه البعض من البرلمانيين والسياسيين والأحزاب الدينية السياسية وفي مقدمتهم حزب الفضيلة.
نتيجة ما أثير وما طرح من مطالبة مجلس النواب بالتدخل قرر تشكيل لجنة لمتابعة موضوع المعتقلين في السعودية، نعتقد ليس من صلاحية المجلس النيابي متابعة المعتقلين العراقيين في أي دولة كانت ولا يمكن أن تسافر مثل هذه اللجنة إلى السعودية للتحقيق حول صحة أو غير صحة هذه المعلومة أو حتى تتصل بالحكومة السعودية للسؤال وتبيان الموضوع، والحكومة العراقية ووزارة الخارجية تتحمل مسؤولية المتابعة والتدخل لدى الدول المعنية والمطالبة بمعرفة أسباب الاعتقال ونتائج التحقيقات ووفق قوانين تحترم حقوق الإنسان بالدفاع عن نفسه بما فيها توكيل محامين وهي طريقة متعارف عليها بين أكثرية دول العالم، ويبدو أن اللجنة لم تقترب من قضية الـ ( 40 ) عراقي الذين قطعت رؤوسهم بل ما أثارته النائبة كميلة الموسوي عن التحالف الوطني وهو " قدمت قائمة تضم أسماء معتقلين عراقيين تم إعدامهم في السجون السعودية حسب ما أفادت عوائلهم!" وهذا التصريح وخاصة الجملة الأخيرة لها معنى في العرف السياسي والإعلامي والقضائي فإذا كذب الخبر واعتبر غير صادق أو دقيق لأهداف معينة فان النائبة كميلة الموسوي لن تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية وستخرج من الموضوع كالشعرة من العجين وتضعه على رقاب وعاتق عوائل المعتقلين حسبما تقول، وفي خضم القيل والقال أدعى احد المواقع أن هناك إحدى عشر دليلاً " على قطع رؤوس العراقيين المخطوفين في السعودية والمطالبة بعزل السفير العراقي في الرياض " لأنه صرح بالضد من ذلك قائلاً " وزارتي الداخلية والخارجية السعوديتين أكدتا أن هذه المعلومات عارية من الصحة " وعلى حد قول السفير العراقي أنهم لم ينكروا فحسب بل عبروا عن استغرابهم لان ذلك لم يحصل وان حصل فيجب أن يتصلوا بسفارة البلد المعني لكي يسلموا الجثة لهم.
ما نريد الوصول إليه هنا هو معرفة الحقيقة ارتباطاً بهذا الهجوم غير المؤكد والذي يضر السجناء العراقيين في السجون السعودية إذا كانت هناك نية صادقة لمعرفة مصيرهم وتوقيع اتفاقية بين العراق والسعودية لتبادل السجناء وقد أستدعيّ وزير الخارجية هوشيار زيباري للبرلمان العراقي ( وحسناً فعلوا ) وعرضوا عليه شكوى بعض النواب حول تنفيذ حكم الإعدام ( قطع الرؤوس ) لـ ( 40 ) عراقياً فأجاب الرجل وبكل صراحة بالنفي وأعتبر المعلومات غير دقيقة ولا توجد عمليات إعدام أي عراقي في السعودية ولقد تحدث عن قيام وزارة الخارجية العراقية بالتحرك " فور استلام الشكوى " والتقى السفير العراقي مع وزير الخارجية السعودي ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية فكان التأكيد أن إعدام أي شخص غير سعودي يتوجب عليهم إبلاغ سفارته عن سبب الإعدام ولاستلام جثته وأوضحوا انه تم إعدام ( 52) شخصاً جميعهم من السعوديين، وكان حديث وزير الخارجية هوشيار واضحاً وتفصيلياً وهناك تبرز البعض من الاستفسارات ...
ـــ كيف استطاع البعض من النواب ووسائل الإعلام المعروفة من معرفة الموضوع؟ ـــ ولماذا لم تنشر أسماء جميع من قطعت رؤوسهم وتواريخ عمليات الإعدام وأسبابها ما دامت لهم القدرة على معرفة القضية؟ ـــ ولماذا لم تتحرك الدولة بشكل دبلوماسي سريع لمعرفة الحقيقة؟
أن التقصي ومتابعة قضايا المعتقلين والسجناء في سجون السعودية يجب أن تحظى باهتمام الحكومة العراقية لأن هذه المتابعة والتقصي تجعلنا نطمئن على تحقيق العدالة ومعرفة الأخبار وعدد المعتقلين وأسباب الاعتقال كما أن هناك تصريحات عراقية تقول "أن غالبية المعتقلين العراقيين هم من الذين دخلوا الأراضي السعودية بدون فيزات أو موافقات وبينهم أو أكثريتهم من مهربي الحيوانات وفي مقدمتها الأغنام" ( وهذه الجرائم لا تستحق قطع الرؤوس ) على ما يبدو أن للقضية قنوات أخرى فقد اعترضت " المنظمة الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرف الديني العراقية" على زيارة وزير الخارجية إلى الرياض واعتبرتها بدون فائدة إذا لم يحمل معه وثائق تعتبر أدانة وأن المنظمة زودت كميلة الموسوي بها ولكن تبقى هذه الوثائق من جهة واحدة التي تؤكد حسب تصريحات النائبة كميلة الموسوي بأن هناك ( 600 ) عراقي مسجون في المعتقلات وتم قطع رؤوس (40) وهناك (30) ينتظرون المصير نفسه ولهذا ندعو الإسراع في متابعة هذه القضية وعدم إهمالها والاعتماد على التصريحات بالنفي من جانب المسؤولين السعوديين والتأكيد والاتهام من قبل البعض من المسؤولين ووسائل الأعلام العراقية فالأمر لا يحتاج إلى المماطلة والتسويف ،ووضع اليد على الحقيقة يبعد إشكاليات الاحتقان وتعثر التوقيع على اتفاقية قانونية تشمل تبادل المعتقلين والسجناء بين الطرفين مما يسهل تطبيق القانون والعدالة، ثم أننا نتفق مع القول القائل " لا مصلحة للعراق في افتعال أزمات" مع السعودية وأية دولة أخرى لأن ذلك لن يكون لمصلحة العراق وهذا لا يعني السماح بالتجاوز على الحقوق إضافة إلى الوقوف بحزم ضد أي تدخل في الشؤون الداخلية العراقية ومن أية دولة كانت ونخشى أن يكون السبب موقف سياسي لوجهات نظر ضيقة.
إننا نتمنى أيضاً نجاح الدعوة للبحث عن مصير مئات الأسرى العراقيين في إيران كما وعد الصليب الأحمر وتأكيد وزارة حقوق الإنسان في العراق ومعرفة مصير الذين لم يعودوا لا سابقاً ولا بعد زوال النظام السابق وهي حالة إنسانية تشمل عشرات العائلات العراقية المنكوبة أثناء الحرب العراقية الإيرانية .