عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام

عدنان حسين أحمد
adnanahmed9@hotmail.com
2017 / 10 / 7

صدر عن مطبعة MBG العالمية بلندن كتاب "عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام" للدكتور طارق علي الصالح. يقع الكتاب في 294 صفحة من القطع الكبير ويتألف من مقدمة وستة فصول إضافة إلى ثمانية ملاحق. يتمحور هذا الكتاب على بضعة أسئلة جوهرية مفادها: ما الهدف من عقوبة الإعدام؟ هل هو الانتقام أم الردع أم تحقيق العدالة الجنائية؟ وهل يتحمّل الفاعل وحده المسؤولية الجنائية أم أنها تقع على عاتق الدولة والمجتمع أيضًا؟ ولماذا ارتفع في العقود الأخيرة سقف المطالبة بإلغاء هذه العقوبة واستبدالها بالسجن المؤبّد؟ ولماذ تُوصف بالوحشية، والمهينة، واللاإنسانية مع أنّ القاتل قد أزهق نفسًا بشرية تمتلك حقّ الحياة ولابد لهذا القاتل أن ينال جزاءً موازيًا لما ارتكبه من فعل أثيم؟
لنعترف سلفًا أنّ الدكتور طارق علي الصالح قد وضع قارئه أمام قضية إشكالية مثيرة للجدل يطلبُ فيها أن تتخلى المحاكم عن تنفيذ عقوبة الإعدام بمرتكبي الجرائم لأنهم يعانون من أمراض عقلية أو نفسية أو وراثية سنأتي عليها لاحقًا. ينتقي الدكتور طارق الصالح أحدث تعريف لعقوبة الإعدام بأنها "إزهاق روح إنسان بقرار قضائي، كعقوبة عن ارتكابه لجريمةخطيرة "جناية" كجريمة القتل مع سبق الإصرار"(ص15).
يتتبع الباحث في الفصل الأول تاريخ عقوبة الإعدام ويُرجعها إلى ظهور المجتمعات البدائية، ثم ينتقل إلى العصر البابلي الذي ظهرت فيه شريعة حمورابي وهي أولى القوانين القديمة التي تضمنت 282 مادة قانونية حيث وضع فيها حمورابي أسس نظرية الاستحقاق Retributive للعقوبة التقليدية المبنية على الانتقام Lex Talionis المستخلص من مبدأ "العين بالعين، والسِنُّ بالسِن" أو "ما يزرعهُ المرء يحصدهُ" وقد كانت مجموعة من قوانين هذه الشريعة متطرفة في نزعتها الانتقامية لأنها تتجاوز "شخصية العقوبة" إلى أبناء وأقارب الفاعل، فإذا تسبّب شخص في إجهاض امرأة وموتها فإن ابنته تُعاقَب بالإعدام! وقد تضمنت المسلّة على 25 عقوبة إعدام لجرائم مختلفة بعضها لا يستحق هذه العقوبة الانتقامية مثل السرقة، والخطف، وإيواء عبد هارب. ثم يتوقف الباحث عند ثلاثة قوانين أخرى وهي القانون الحِثّي واليوناني والروماني. والملاحَظ أن القانون اليوناني هو الأكثر قسوة ، ويتميز بوحشية لا نظير لها مثل دفن المحكوم حيًّا، أو تقطيع أوصاله، أو سلخ جلده، أو إغراقه بالماء.
خفّت العقوبات وتشذّبت بظهور الديانات السماوية الثلاث تباعًا، ففي ظل الديانتين اليهودية والمسيحية لم يُعاقَب الأبناء بجريرة آبائهم، كما تحولت عقوبة السرقة من الإعدام إلى التعويض، ومع ذلك فقد ظل بعض العقوبات قاسيًا مثل رمي المحكوم من أماكن عالية ،أو رشقهِ بالحجر، أو تثبيته بالمسامير على الصليب. وعند مجيء الإسلام اقتصرت عقوبة الإعدام على الجرائم المعروفة بالحدود وهي القتل والزنا والحرابة، وتعززت المساواة بين الناس فلا فرق بين سيد وعبد، وأكدّ الإسلام على مبدأ القِصاص الذي يعني وجوب المساواة بين الجريمة والعقاب.
بدأ التململ من هذه العقوبة الوحشية في العصور الوسطى حينما أسست الكنيسة الكاثوليكية محاكم التفتيش Inquisition لمعاقبة الهراطقة فأُعدم، تمثيلاً لا حصرًا، المُصلح التشيكي المعروف جان هوس لمجرد اتهامه بعض القساوسة بالانحراف عن مبادئ الدين، كما قُطع لسان الفيلسوف الإيطالي جيوردينو برينو وتمّ إحراقة، ووُضِع غاليليو تحت الإقامة الجبرية في ضواحي فلورنسا بسبب نظريته القائلة بدوران الأرض حول الشمس. ثم تفاقم غضب الفلاسفة والمفكرين ورجال القانون حينما ارتكب الكاثوليك مجازر فظيعة بحق البروتستانت الذين اضطروا إلى ترك ديارهم والهجرة إلى السويد وألمانيا وهولندا وإنكَلترا في حكم الملك لويس الرابع عشر.
يُشكِّل عصر النهضة علامة فارقة في مقارعة تسلّط الكنيسة واستبدادها حيث وقف العديد من الفلاسفة أمثال فولتير وجيرمي بنثام وسيزار بيكاريا ضد عقوبة الإعدام الهمجية وحري بنا الإشارة إلى الأثر الكبير الذي خلّفة كتاب "حول الجرائم والعقوبات" لبيكاريا في تحجيم عقوبة الإعدام وإلغائها في عدد كبير من دول العالم.
يتمحور الفصل الثاني على نظريتين أساسيتين وهما "نظرية الاستنباط" المتحجرة و"نظرية الاستقراء" العلمية المتفتحة التي تقدِّر العقل البشري وتمجِّدهُ حيث يرى أصحاب نظرية الاستنباط بأن قواعد العدل لا تحتاج إلى دليل أو برهان على صحتها لأنها مُستنبطة من صدى الوصايا الإلهية التي يمثلها عقل القدّيس الراجح باعتباره "ظل الله على الأرض"! أما "نظرية الاستقراء" فهي تعتمد على الواقع بوصفه مصدرًا للمعرفة وتشريعًا للقوانين العقابية وأن "الإنسان هو مصدر العقل إذا ما أحسن وأتقن مهارة الإقناع"(ص71). وليس من الغريب أن تنسجم فلسفة أفلاطون وأرسطو الميتافيزيقية المنفصلة عن واقع الحياة مع الأنظمة الدينية والسياسية التي استمر نفوذها حتى العصر الوسيط وساهم في دعم الكاثوليكية وهيمنتها على السلطة التي عززت مواقع الشخصيات الكهنوتية. فلا غرابة أن تلجأ أوروبا إلى الفصل بين السلطات بغية تحقيق العدل القائم على النظرية الاستقرائية.
على الرغم من أهمية هذا الكتاب إلاّ أنه لا يخلو من تكرار بعض الآراء والنظريات التي تتعلق بعقوبة الإعدام. وسنحاول قدر الإمكان أن نتجاوز المعلومات المُكررة في الفصول اللاحقة. يتناول الباحث ثلاث نظريات تبرر عقوبة الإعدام وهي نظرية العقوبة "كاستحقاق" و "كمنفعة" و "كحلّ وسط" حيث تتكئ النظرية الأولى على شريعة حمورابي ومبرراتها الانتقام المُستخلَص من مبدأ "العين بالعين. . " التي أيّدها الفيلسوف الألماني إيمانؤيل كانت Kant واتبعهُ هيغل في ضرورة أن تكون العقوبة متجانسة مع الفعل المُرتكَب. أما نظرية العقوبة كمنفعة فيرى روّادها بيكاريا، وميل، وبنثام أن هذه العقوبة يجب أن تحقق منفعة للمجتمع، وتردع الآخرين من ارتكابها، وتعطي وزنًا للاصلاح الاجتماعي. بينما تذهب نظرية الحل الوسط إلى التوازن بين المنفعة والاستحقاق ومن أبرز روّادها الفيلسوف البريطاني هربرت هارت.
يمكن اختصار الفصل الرابع بالاضطرابات السلوكية الأربعة وهي: التخلّف العقلي، الأمراض النفسية، الأمراض العقلية واعتلال الشخصية. وأن أي شخص يرتكب جريمة خطيرة كالقتل العمد مع سبق الإصرار هو شخص غير سوي ولابد أنه يعاني من بعض الاضطرابات السلوكية التي تؤثر على حرية إدراكه وإرادته، وأن هناك علاقة قوية بين المتخلف عقليًا والسلوك الإجرامي، وأن إعدام هؤلاء الأشخاص يشكّل جريمة بربرية بحد ذاتها كما ترى المحامية ألين شارب، المتخصصة في قضايا القتل على مدى أربعين عامًا.
يناقش الفصل الخامس الجدل المتواصل بشأن عقوبة الإعدام ومفارقات بعض الدول الديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية التي تُصدر تقريرًا سنويًا عن انتهاكات حقوق الإنسان في العالم مُنتقدة بقوة الدول التي تنتهك هذه الحقوق لكنها "تمارس أبشع أنواع التعذيب بحق السجناء المصابين بأمراض عقلية أو نفسية"(ص164).
كانت دول أوروبا الغربية سبّاقة إلى إلغاء عقوبة الإعدام بعد الحرب العالمية الثانية وما أسفر عنها من إعلانات وبروتوكولات واتفاقيات ومحاكم جنائية متعددة مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 وما تلاها من اتفاقيات دولية ألغت فيها عقوبة الإعدام كليًا وفي جميع الظروف بما فيها حالة الحرب. وقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2012 بأن مجموع الدول التي توقفت عن عقوبة الإعدام هي 140 دولة ماعدا الدول التي تخضع لأنظمة شمولية أو دينية أو مذهبية سياسية أو قومية تلجأ إلى عقوبة الإعدام لتصفية خصومها السياسيين.