البعد السياسي والاجتماعي لأحكام الإعدام

زاهر رفاعية

2020 / 6 / 28

قام الفنان (كيفين سبيسي) بأداء دور "ديفيد جايل" في فيلم The Life of David gall "حياة ديفيد غيل" وهو فيلم يدور حول "ديفيد غيل" الناشطٌ المناهضٌ لعقوبة الإعدام ، الذي يفقد وظيفته المرموقة كأستاذٍ جامعي بعد أن تتهمه طالبة لديه بالتعدي عليها, وتباعًا تتركه زوجته وتُبعد عنه ابنه. لكن في خضم كل ذلك تقف بجانبه صديقته المقربة كونستانس هاراواي (لورا ليني) الناشطة المناهضة لعقوبة الإعدام أيضًا ، لكن سرعان ما يكتشف أنها تحتضر. تُقتل صديقته كونستانس بظروف غامضة ويتم اتهام ديفيد بقتلها واغتصابها ويحكم عليه بالإعدام. تحضر الصحفية بيتسي بلوم (كيت وينسلت) لتحقق فيما وراء قصته المأساوية. لن أقول عن الفيلم أكثر من ذلك كي لا أحرم القارئ من متعة الغموض الذي يحيط بأحداث الفيلم, ولكن أنصح بشدّة من لم يحضر هذا العمل الرائع أن يسارع في أقرب وقت كي يحظ بالمتعة والفائدة.
عام 1914م في مدينة الجزائر يروي لنا الفيلسوف الجزائري-الفرنسي "ألبير كامو" على لسان أمّه بأنّ جريمة قتل كانت قد وقعت وراح ضحيّتها عائلة من المزارعين مع أطفالهم, وقد حُكِمَ على القاتل بالإعدام, حيث سينفّذ بقطع رأس المجرم بواسطة المقصلة على الطريقة الفرنسيّة, بما أنّ الجزائر آنذاك كانت تحت الانتداب الفرنسي. وفي الليلة التي كان سينفّذ حكم الإعدام بالقاتل صبيحتها استيقظ زوجها "أبو ألبير" بحماس باكراً كي يحجز لنفسه في الصفوف الأولى حول المقصلة ويشفي غليله برؤية العقاب الذي حلّ بهذا المجرم. ولكنّ الأمر لم يطل به هناك حيث عاد مباشرة ولم يقل شيئاً, بل حاول أن يتمدد فلم يستطع النوم بل قام وتقيّأ! (1)
هذا الفيلم بالإضافة لكتاب "المقصلة" الذي وردت فيه القصّة المذكورة أعلاه, بالنّسبة لي أعتبرهما من روائع ما أنتجه الفنّ والقلم في ميدان الفلسفة المناهضة لأحكام الإعدام والمساندة لحقّ الحياة.
ولكن: ما الغاية من تنفيذ أحكام الإعدام؟
أنصار تطبيق أحكام الإعدام يقولون أنّ حكم الإعدام هو عبرة لمن تسوّل له نفسه تقليد ما فعل المجرم. ولكن دعونا نفحص مدى صحّة هذا الادّعاء:
النّاس الذين يشهدون تنفيذ أحكام الإعدام هم على نوعين, إمّا أناس مستقيمون أو مجرمون مفترضون. بالنسبة للأناس المستقيمين الذين يستبعد ارتكابهم للإجرام ولو نظريّاً, فقد رأينا آثار تنفيذ حكم الإعدام في نفوسهم كما رأيناها عند "أبو ألبير" ألا هي آثار التقزز والقرف لا أكثر. وأمّا بالنسبة للمجرمين المفترضين فيسعدنا أن نستشهد بمقولة الصحفي البريطاني "آرثر كوستلر" الذي أفادنا بأنّه وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه ساحات إنكلترا إعدامات اللصوص والنّشالين على حبال المشانق, كان النّشالون الأحياء يتجولون وينشلون من الحشود والجماهير الذين أتوا يتحلّقون حول المشانق. كما أنّ دراسة في ذات السّياق بيّنت أن ما نسبته 68 إلى 98 بالمائة من اللصوص الذين نفّذت أحكام الإعدام فيهم في إنكترا كانوا قد شهدوا بأنفسهم مرّة أو أكثر تنفيذ حكم إعدام بأحد زملائهم اللصوص سابقاً. (2)
علاوة على أنّ فكرة الإعدام لن تخيف الذي لا يعلم من نفسه بأنّه سيأتي عليه يوم ويرتكب فيه جرماً, سواء بدافع الغضب أو بسبب حمل سلاح بغية إخافة الخصم لا أكثر. هذا الشخص ومهما شهد من حالات إعدام في حياته فلن تحول بينه وبين ارتكاب الجرم الذي سيقوم به لاحقاً عن غير عمد وتخطيط. وبالمناسبة فأكبر نسبة من جرائم القتل الغير منظمّة طبعاً تقع في هذه الخانة, خانة "القتل الغير مخطط له" من أناس كانوا بالأمس أبعد عن أن يجدوا اليوم أنفسهم كمجرمين. هؤلاء هم من سيخافون من الموت تحديداً بعد صدور الحكم وليس قبل ارتكاب الجريمة!
ثمّ, لو كانت الغاية من الإعدام هي العبرة, فلماذا تنفّذ أحكام الإعدام في أقبية السّجون وباحاته الخلفيّة في الخفاء ودون الإعلان عن موعد التنفيذ, وذلك في معظم الدّول التي تقوم بتنفيذ أحكام الإعدام؟ وعلى قوله صاحبنا "ألبير كامو" فتنفيذ أحكام الإعدام بتلك الطريقة لا يفيد أكثر من أن يبشّر النّاس بأنّهم سيموتون إذا ارتكبوا جريمة, وبالطبع فهذا المصير يمكن أن تبشّر به أيضاً أولئك الذين لن يرتكبوا جريمة!
لذلك فالكلام عن العبرة من الإعدام يجب أن يكون مقترناً وبشكل لازم وحصري بالتنفيذ العلني, أمّا التنفيذ بشكل سرّي فيلغي مفهوم "العبرة" من أساسه, ويحيلنا إلى مفهوم "انتقام الدّولة" ألا وهو احتكار الدّولة لسلطة إلهيّة هي سلطة "الإحياء والإماتة" , وهو شكل متطرّف من ممارسة "إرهاب الدّولة" على المواطنين بأقصى أشكاله, ألا وهو التهديد بإنهاء الحياة. أمّا إذا كنّا ننشد العبرة حقيقة فيجب أن نقوم بالتصوير ودعوة وسائل الإعلام ونشر مقاطع دعائيّة لعمليّات التنفيذ. لأنّ السؤال المطروح هو كيف لجريمة قتل إنسان أعزل, ليلاً في قبو مظلم, من قبل عصبة مسلّحة أن يخيف إنساناً ينام في سريره في تلك اللحظة؟ أي ويكأنّ كل القتلة ممّن ارتكبوا جرائم, لم يكن في معلومهم أنّ الدول التي يعيشون في كنفها تنفّذ أحكام الإعدام ؟
وأكثر من ذلك, حين تصوّر أقلام مناصري أحكام الإعدام أنّ الإعدام هو أسرع أشكال الموت وأهونها.. أي نعم.. فكيف لذلك أن يخيف إنساناً يخطط لارتكاب جريمة؟ في أفضل الأحوال سيقول المجرم لنفسه: (فليكن الإعدام, لربّما ذلك خيرٌ وأرحم من أن أعيش آلام السرطان أو أمراض الشيخوخة إلى أن أتمنّى الموت يوماً فلا ألقاه)!
هناك ماكينة دعاية عند الدّول التي تنفّذ أحكام الإعدام, وذلك من أجل جعله مستساغاً ومقبولاً عند الرأي العام. طيّب, إذا كان الأمر بحدّ ذاته مستساغاً عند الذائقة السليمة ومقبولاً في المجتمع البشري فلماذا كلّ هذه الدّعاية والتجميل لحكم الإعدام من عند مناصريه, ولماذا كلّ ذلك التّخفي خلف الألفاظ من قبيل (تحققت العدالة بالمجرم) و (أحالوا ملفّه عند مفتي الدّولة) ؟؟؟ وبالمقابل إن لم يكن حكم الإعدام مستساغاً ولا مقبولاً عند الجماهير, فلصالح مَن تقوم الدّولة بتنفيذه؟ أمّا بالنسبة للإرهابي المحتمل الذي قد يظنّ المرء من عنده نيّة ارتكاب عمل إجرام عشوائي, فمن السّخف بمكان الاعتقاد بأنّ تنفيذ حكم الإعدام بآخرين قد يثنيه عن ذلك العزم.
على الرّغم من أنّ المملكة الأردنيّة الهاشميّة كانت قد أعادت العمل بأحكام الإعدام عام 2014 بعد توقف دام حوالي ثمان سنوات كما سنرى بعد قليل في هذا المقال, إلّا أنّه وحتّى عام 2019 ارتفعت معدلات الجريمة في الأردن بشكل غير مسبوق (3), في الوقت الذي شهدت فيه ألمانيا خلال الفترة الزّمنيّة ذاتها انخفاضاً طفيفاً في عدد جرائم القتل, مع العلم أنّ ألمانيا ألغت أحكام الإعدام منذ العام 1949م (4). وعلى الرّغم من هذه المعادلة الواضحة فإن نقيب المحامين الأسبق في المملكة النائب "صالح العرموطي" يعزو بوضوح ارتفاع معدلات الجريمة إلى التأخّر في تنفيذ أحكام الإعدام!!.
كما أنّ السعودية التي ارتكبت فيها 290 جريمة قتل عام 2018 عادت فأعدمت في العام التالي 184 شخص وهو أعلى رقم في تاريخ المملكة, على الرّغم من أنّ معدلات الجريمة في المملكة تقريباً ثابتة وفي زيادة طفيفة أحياناً من عام إلى آخر بالرّغم من تنفيذ المملكة لأحكام الإعدام منذ تاريخ تأسيس المملكة (5).
لذلك فالسؤال هو, لماذا نجد مثل هذه السلبيّة في تأثير حكم الإعدام بين مجتمعات مختلفة طالما أننا جميعاً من جنس البشر؟ حيث أنّ دوافعنا كبشر يجب أن تكون متشابهة, وحلول مشاكلنا يجب أن تكون بشكل أو بآخر ناجعة. أي فالمفترض نظريّاً طالما أنّ تنفيذ حكم الإعدام هو الحل لمعضلة الجريمة, اننا لن نجد جرائم قتل في الأردنّ والسّعوديّة أو على الأقل سنجد ولكن بشكل أقلّ بكثير وبفارق ليس بالهيّن مقارنة بدولة مثل ألمانيا, بل ويجب أن نجد نسبة الجريمة في دولة مثل ألمانيا مرتفعة بشكل مجنون طالما أن لا أحد يخشى على حياته من الدّولة! ولكن الذي نجده من خلال المقارنة الواردة أعلاه هو العكس تماماً, مما يدحض ادّعاءات منظّري سياسات الدّول التي تنفّذ أحكام الإعدام أنّه وبدون تنفيذ الدّولة للإعدامات فإنّ المواطن لن يخشى على حياته من الدّولة وسنجد النّاس كلهم يقتلون بعضهم البعض على أتفه أسباب طالما أنّهم ضامنون أنّ تبعات لن تقع عليهم, فبالنسبة للحكومات التي تنفّذ الإعدامات فمفهوم أن يحصل للمرء شيء وتقع عليه تبعة, هو مفهوم ينحصر باللعب على غريزة البقاء. كما يسوّق منظّروا اللعب على غريزة البقاء إلى أنّه وبدون هذا اللعب على هذه الغريزة فلا سبيل لضبط النزعة التدميريّة عند الإنسان تجاه الآخرين, متناسين أنّ نزعة تدمير الذّات هي الأخرى قد تجعل الإعدام بالنسبة للإنسان مجرّد تحصيل حاصل. والأوضح من ذلك في مسألة أنّه من نافل القول الحديث عن الإعدام كحلّ للجريمة, هو أنّ الإعدام قائم منذ أزمنة بعيدة ولا زال, وكذلك الجريمة قائمة بموازاته ولازالت!
ومما تقدّم ومن مقارنات مماثلة قد تجريها بين نسبة الجريمة في الدّول التي تنفّذ الإعدامات وبين مثيلاتها ممن ألغت الإعدام, سنجد أنّ للجريمة عوامل ومقوّمات أخرى لا تمتّ لمسألة أن يكون الشعب متخوّفاً على حياته من انتقام الدّولة أم لا.
ثمّ لماذا لا يخطر في بالنا حين نتحدّث حول الإعدام سوى مسألة القصاص من "القاتل العمد" ؟ دعونا نلقِ نظرة عن قرب حول بعض التّهم التي تنفّذ بموجبها الدّول أحكام الإعدام بمواطنيها, خذ مثلاً : عبادة الأصنام, الشرك بالله, المثليّة الجنسيّة, السحر والشعوذة, ازدراء الإسلام, وأهم تهمة "التحريض على الحاكم". بالإضافة للخيانة الزّوجيّة وبعض القوانين المتعلّقة بالمخدّرات.(6)
وعلى أيّة حال ومنذ عقود طويلة ولا زالت هذه الدّول تقوم بتنفيذ أحكام الإعدام على أراضيها ولهذه التّهم, وكذلك منذ عقود طويلة ولا زال الشعب يقوم بهذه الأفعال وعلى أراضي هذه الدّول! ما الدّلالة التي تحملها هذه المعادلة غير أنّها تنفي مفهوم العبرة عن حكم الإعدام؟ يبدو أنّ الجواب كما يراه الفيلسوف "فرانسوا بيكون" هو أنّ "الرّغبة" مهما كانت ضعيفة, إلّا أنها تستطيع أن تقهر الخوف من الموت. لذلك فمن عزم أمره على القيام بأمر ما, فعلى الأرجح إن كان صادقاً في رغبته فسيقوم بتلك الفعلة حتى لو كانت فعلته تلك هي آخر ما سيقوم به في حياته.
قد يسأل سائل, ما المشكلة في الإعدام ولماذا يجب أن نسعَ للعمل على إلغائه؟
مشكلة الإعدام أنّه لا رجعة فيه, فإذا تبيّن لنا براءة المتّهم وهو في السجن, فلا زال بإمكاننا أن نخرجه ونحاول تعويضه عن الخطأ والظلم الذي ارتكبه المجتمع في حقّه, بينما إن قتلناه وتبيّن لنا لاحقاً براءته فلا شيء يمكن أن يعوّضه حياته التي انقضت ظلماً على أيدينا جميعاً. وهل هذا أمر لم يحصل؟ بالطبع حصل ويحصل وسيحصل, لاسيّما في الدّول التي لا زالت تطبّق احكام الإعدام حتّى يومنا هذا. في اميركا لوحدها بين عامي 1973م و 2014م كان هناك أكثر من مائة وخمس وثلاثون سجيناً يواجهون حكم الإعدام ولكن تبيّنت التبرئة قبل تنفيذ الحكم, هذا عدا من تمّت تبرئته ولكن بعد تنفيذ الحكم.(7)
وقبل كل ذلك يجب أن نؤكّد دائماً على أنّ حقّ الموت والحياة يجب أن يكون بأيدٍ معصومة, وليس هناك من إنسان يمكن أن نثق بعصمته وعدله إلى الحدّ الذي يسمح بمنحه سلطة إلهيّة. ولكن بالمقابل فهذه النّقطة تحديداً هي ما يبقِ الإعدام قائماً في بعض الدّول, وأقصد بذلك نزعة الإبقاء على سلطة إلهيّة بيد السلطة الحاكمة في تلكم البلدان. أي تهديد المواطنين بالــ"موت".
يقال في علم السياسة أنّ الدّولة تحتكر العنف. أي نعم الدّولة يجب أن تحتكر العنف وذلك لمواجهة العنف الذي لا ينتمي إلى سلطة القانون, وليس لاحتكار العنف من أجل قتل إنسان أعزل ممدد في سريره ليلاً وبشكل شبه سرّي! هذه مضاعفة للجريمة لا أكثر, كنّا بقتيل واحد والآن أصبحنا بقتيلين, كما كان عندنا قاتل واحد والآن أصبح لدينا اثنان.
يبدو انّه ولأسباب مثل تلك أعلنت ولاية واشنطن الأميركيّة مطلع العام 2014 إيقاف العمل بأحكام الإعدام, لأنّ حكم الإعدام يبدو انّه قد استحال سلاحاً بيد طبقة النّخبة على حساب بقيّة الطبقات الهامشيّة في المجتمع. وهذا ما عبّر عنه حاكم واشنطن آنذاك بقوله : (إنّ عقوبة الإعدام تستخدم بشكل متفاوت في هذه الولاية, ومرتبطة في بعض الأحيان بالمنطقة التي وقعت فيها الجريمة) (8)
كما أنصح هنا بمتابعة مسلسل أميركي من خمس حلقات اسمه When they see us يحكي قصّة حقيقيّة لمجموعة من الأطفال الملوّنين تمّت توجيه التّهم لهم بل وتلفيقها أحياناً بسبب قناعة المحققين البيض بأنّ هؤلاء البؤساء الملوّنين الحاقدين طبقيّاً لا بدّ ان يكونوا هم المجرمين, وذلك بالاستناد طبعاً لطبقتهم الاجتماعيّة ولون بشرتهم.
كل ذلك ولازلنا نتكلّم عن الولايات المتّحدة الأميركيّة, التي يمكن فيها على الأقلّ ولو من النّاحية النظرية, أن يكون للمتّهم تمثيلاً قانونيّاً حقيقيّاً أمام القضاة وفي المحاكم. فما بالك حين تعلم بأنّه وفي عام 2017م باستثناء الصين، فقد تم تنفيذ 84% من مجموع عمليات الإعدام المبلغ عنها في أربعة بلدان فقط، وهي إيران والسعودية والعراق وباكستان.(9). ولا أعتقد أننا بحاجة للخوض في تفاصيل مسألة احترام الدّولة للقانون ولا سيّما في هذه الدّول الأربع تحديداً!! كل هذه الأرقام ولم نتكلّم عن الصّين التي تنفّذ فيها أعلى معدّلات الإعدامات في العالم, ولكنّ الرّقم الدّقيق يبقى مجهولاً, لأنّ الدولة الصينيّة تتعامل مع الرّقم الحقيقي لأحكام الإعدامات على أنّه "سرّ قومي" .
وكي نؤكّد على البعد السياسي وليس القضائي لمفهوم أحكام الإعدام, لا ننسَ أنّ تركيا كانت قد ألغت العمل بأحكام الإعدام منذ العام 2004م ولم يفتح النّقاش في المسألة حتّى عام 2016م, وتحديداً بعد الانقلاب الفاشل الذي كان يهدف للإطاحة بحكم الإخوان المسلمين, وتحديداً بسبب رغبة حزب الإخوان الحاكم وزعيمه "رجب طيّب أردوغان" في إعدام قادة الانقلاب المذكور(10).
وأيضاً فقد أعلنت المملكة الأردنيّة الهاشميّة إيقاف تنفيذ أحكام الإعدام منذ العام 2006م وبالفعل فقد توقّف تنفيذ الإعدامات بالكامل إلى غاية شهر كانون الأول 2014م, وتحديداً قبل يومين أو ثلاث من إعلان تنظيم "داعش" الإرهابي عن عمليّة أسر الطيّار الأردني "معاذ الكساسبة" خلال أداء هذا الأخير لمهمّة في طائرته الحربيّة فوق أراضي التنظيم وتحت لواء التّحالف الدولي. هل هذه مصادفة؟ لا .. وكذلك ليس مصادفة البتّة أنّه وبعد مرور شهرين على تلك الحادثة وبسبب إعدام تنظيم الدّولة "داعش" للطيّار الأردني " معاذ الكساسبة" راحت الأردن ونفّذت إعداماً بسجينين عراقيين إرهابيين كانا محتجزين لديها في السجون الأردنيّة, وذلك كما قلنا بعد إيقاف المملكة لتنفيذ الإعدامات في مدّة قاربت الثمان سنوات. (11) أي وكانّ لسان حال المملكة يقول (ما حدا أحسن من حدا... إذا كانت التنظيمات الإرهابيّة ستعدم مواطنينا فنحن أيضاً سنعدم إرهابييهم) أي أن الدّولة الأردنيّة لم يعجبها أن تقتدِ إلّا بأفعال الإرهابيين!
كما لا يفوتنا أنّ المادة التّاسعة والثلاثون من الدّستور الأردني تنصّ على أنّ أحكام الإعدام لا تنفّذ إلّا بعد موافقة الملك عليها. ثمّ ياتِ من يقول بأنّ أحكام الإعدام هي ليست تكريساً لسلطة إلهيّة بيد الحاكم! وإلّا كيف نفسّر مسألة أن تنفّذ جميع الأحكام الصادرة عن السلطات القضائيّة في دولة ما مباشرة وبعد صدور الحكم المبرم من عند قاض المحكمة باستثناء حكم الموت لا بدّ أن ينظر الحاكم الأعلى في أمره, كما يمكن للحاكم أن ينقض الحكم ويمنح المتهم الحياة في حال ارتأى جلالته ذلك؟ إذاً نحن هنا نتكلّم عن حكم استثنائي لا ينتمي لمفهوم الجريمة والعقاب ولا لمفاهيم إرساء العدالة في المجتمع, لأنّه في حال حكمت المحكمة على المتّهم بالسجن المؤبّد فسينفّذ الحكم فوراً, بينما سلطة الإماتة والإحياء فهي مسألة أخرى وتقع بيد أخرى غير يد القانون, وأقصد بذلك يد الحاكم الأعلى او الملك أو شيخ القبيلة أو حتّى ممثل سلطة رجال الدّين في الدّولة كالمفتي وغيره. وهذه هي تحديداً صورة الحاكم في العصور الوسطى, حيث كان الحاكم في الشرق لا يمشِ بين النّاس إلّا والسيّاف بين يديه, وفي الغرب كان الحاكم يأتي بمن لا تعجبه آراؤه وأقواله من الرّعيّة ثم يعدمه على الملأ بأبشع الأساليب.
وخير ما نختم به هو الإضاءة على تصريح المتحدّث الرّسمي باسم الحكومة الأردنيّة آنذاك حين قال: (إنّ تعليق العمل بأحكام الإعدام منذ العام 2006م جاء لدراسة الآثار الأمنيّة على المجتمع, مما أوضح لدينا زيادة في نسبة الجريمة!) (12)
بصراحة هكذا تحليلات سينتج عنها هكذا حلول! أي لا البطالة ولا الجهل ولا الفقر ولا تدهور الصحّة ولا غياب الضمان الاجتماعي ولا تردّي أوضاع دول الجوار ولا أي شيء يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار في مقابل أسرع الحلول ألا وهو أن نضاعف الجريمة وننزل بالدّولة لمصافّ القتلة وفعالهم. ويا ليت هذه الحل من النّجاعة بمكان يمكن التعويل عليه في مسألة تقدّم المجتمع, هذا عدا عن التشوّهات التي ينتجها الإعدام في نفوس الأفراد وكيف يورث لدى العامّة حالة سّعار دّموي واستسهال للقتل, طالما أنّ الرسالة التي تصل لأفراد هذه المجتمعات من وراء تنفيذ أحكام الإعدام هي ان الله والدولة كلاهما يصدران أوامر القتل, وعليه يغدو موضوع القتل بحدّ ذاته بين أفراد تلكم المجتمعات مسألة نسبيّة ولا يمكن أن يغدو بأيّة حال مسألة مبدأ غير قابل للتفاوض.
يقول ألبير كامو : (نحن لا ننشد عالماً ليس فيه قتل, بل عالماً لا يبرّر فيه القتل)


مراجع وإحالات خارجيّة:
1. المقصلة , كتاب لألبير كامو ترجمه للغة للعربية جورج طرابيشي، يقع الكتاب على 116 صفحة من الحجم المتوسط وهو من منشورات دار المدى للثقافة والنشر بيروت.
2. المصدر السابق, صفحة 26.
3. https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/7/27
4. https://de.statista.com/statistik/daten/studie/2229
5. https://makkahnewspaper.com/article/1101453
https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2020/04/why-its-time-for-saudi-arabia-to-abolish-the-death-penalty/
6. المرجع السابق
7. https://www.dw.com/ar/a-17639666
8. https://www.alhurra.com/usa/2014/02/12
9. https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2018/04/death-penalty-facts-and-figures-2017/
10. https://www.dw.com/ar/a-48104371
11. https://www.dw.com/ar/a-18237441
12. https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/12/24/jordan-executions-go-reactions