تقرير متخصص يسلط أضواء جديدة علي الوضع الانساني (2-2) أكثر من 50 قراراً تعاقب بالاعدام -

عبد الحسين شعبان

2002 / 5 / 25

 

 

ظلت قضية حقوق الانسان في العراق شائكة ومعقدة وتزداد تفاقماً واتساعاً علي مر الايام، كما كانت المعلومات وما تزال بشأن الانتهاكات والخروقات ملتبسة ومتداخلة أحياناً، ولا تلقي في الكثير من الاحيان، الاهتمام الذي تستحقه، بسبب انغلاق الدولة والسرية التامة التي تتعلق بمثل هذه القضايا، وعدم السماح لمؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان العراقية والعربية والدولية، من الاطلاع عليها أو التثبت من صحة وقوعها، أو التوثق من دقة المعلومات التي تردها، فضلاً عن الآلة الاعلامية الكبيرة، التي تمتعت بها السلطات العراقية داخلياً وخارجياً، وساهمت في تبرير تلك الانتهاكات أو التقليل من شأنها أو حتي نفيها.. وكانت الحكومة العراقية وما تزال ترفض مناقشة هذه القضايا وتعتبرها مساساً بالسيادة و تدخلا في الشؤون الداخلية من جانب جهات مريبة أو مشبوهة أو حاقدة أو لا تريد خيراً للعراق علي أقل تقدير. وكانت تدخل في مواجهات تقع في باب أن الهجوم خير وسيلة للدفاع وبالتالي لابد من اثارة زوبعة من الاتهام والشك بصحة ما يقال، بل واتهام من يتصدرون لتلك القضايا الحقوقية بشتي التهم التي ما انزل الله بها من سلطان.
بالرغم من أن العراق هو بلد التشريع الأول، وبالرغم من أن الفقه القانوني العراقي يمتاز بموروث عريق وان التشريع والقانون شهدا تطورات مهمة منذ تأسيس الدولة العراقية بتأثير من القانون الانكلوسكسوني وأن الكثير من الاساتذة درس أيضاً القانون خارج العراق وأن الدراسات القانونية والتشريعية لها تقاليد أعمق بكثير مما هو موجود في العديد من البلدان المجاورة والنامية، إلا أن الواقع القانوني الحاضر في العراق يسوده الارتباك والضعف ويتميز بالعديد من القوانين ذات الطبيعة الغريبة التي تدخل فيما عرف (بتشريع القسوة) حيث أن العديد منها لا يتناسب وحجم (الجرم)، اذ أن بعض القوانين يعطي انطباعاً بانه لم يسن لحماية المجتمع واعادة تأهيل الخارجين عن القانون بل لزرع الخوف فيه وعقابه وتقييده، فقد زادت بشكل لافت للنظر حجم الأفعال المحرمة في النصوص العقابية والعقوبات نفسها تصاعدت بشكل مقلق.

قوانين تنافي حقوق الانسان
ان العديد من القوانين التي تتنافي صراحة ومبادئ حقوق الانسان، كما تتنافي مع العرف القانوني العراقي أصبحت شائعة ومألوفة، فقد أحصت (منظمة العفو الدولية) في أحد تقاريرها أن من بين قرارات مجلس قيادة الثورة هناك أكثر من خمسين قراراً تعاقب بالاعدام علي الأفعال الوادرة فيها، ونحن نعتقد أن مثل هذا الكم من عقوبات الاعدام لا نجده في أي دولة أخري، والأمر يبدو أشد قسوة فيما إذا عرفنا ان من بين تلك الأفعال ما لا يعاقب عليه في كثير من البلدان أو انه يدخل في باب المخالفات أو الجنح التي لا تزيد عقوبتها عن ثلاثة أو ستة أشهر فعلي سبيل المثال أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 840 بتاريخ 1986/11/4 الذي يقضي باعدام (كل مَن أهان بطرق العلانية رئيس الجمهورية، أو مَن يقوم مقامه، أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث أو المجلس الوطني أو الحكومة).
وفي أغلب الحالات يفسر النقد علي انه اهانة، وبالتالي فان هذا القرار كثيراً ما استخدم لتصفية المعارضين. كما شهد العراق مؤخراً حالات مروعة عوقب فيها النساء بقطع الرأس بالسيف (للمرأة التي يثبت أنها داعرة). أما كيف يبرهن علي الدعارة ولماذا المرأة وحدها من تعاقب وليس من مارس الجنس معها علي سبيل المثال، ولماذا هذه العقوبة القاسية؟ التي لا تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الاجتماعية والوضع المعاشي الذي سببه الحصار وغيرها من الأمور. كل تلك الأسئلة بحاجة إلي أجوبة شافية لا إلي قرارات اعتبارية، علماً بأن قانون العقوبات العراقي الصادر عام 1969 لا يتضمن مثل هذه الأحكام القاسية.
ان تلك السعة والسهولة في استخدام عقوبة الاعدام انما تعبر أيضاً عن مدي الاستخفاف بحق الحياة الذي هو أقدس وأهم حق من حقوق الانسان باعتراف جميع الشرائع والأديان السماوية التي لا تقر الاعدام إلا وفق محددات كثيرة للضرورات القصوي، ناهيكم عن التشريع القانوني علي الصعيد الدولي والذي يتوجه نحو الالغاء التام لهذه العقوبة وهو ما مطبق في العديد من الدول والتي يزداد عددها يوما بعد آخر وتبلغ الآن نحو 75 دولة.

اجراءات عقابية قاسية
هناك الكثير من القوانين الأخري، التي لا تتناسب فيها العقوبة مع التهمة أو الفعل، بل أن هناك من القوانين ما تثبت في نصوصها اجراءات عقابية غاية في القسوة تتخذ ضد أهالي المتهم وأبنائه وأخوته بل وأقربائه إلي الدرجة الرابعة. ومن المفيد والمهم والتوثيق أن نلقي نظرة ولو سريعة علي بعض القرارات التي أصدرها مجلس قيادة الثورة والتي لم يعرفها التشريع العراقي منذ نشأته.. فقد أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً برقم 59 لسنة 1994 القاضي (بقطع اليد في حالة السرقة أو قطع الرجل اليسري في حالة تكرار الفعل أو بالاعدام اذا ارتكبت الجريمة من قبل شخص يحمل سلاحاً أو نجم عن الجريمة موت أحد الاشخاص). كذلك قرار 92 لسنة 1994 والقاضي بقطع اليد علي فعل تزوير الكتب الرسمية، أو قرار 109 لسنة 1994 القاضي بوشم جبين من يعاقب بقطع اليد وذلك بعلامة (?)، والغريب في الأمر أن احكام هذا القانون تسري بأثر رجعي.
وهناك القرار رقم 115 لسنة 1994 القاضي بقطع اذن المتخلف عن الخدمة العسكرية أو الهارب منها، بل أن العقوبة نفسها تطول من يأوي أو يخفي أو يتستر علي الهارب أو المتخلف، ويقضي نفس القرار بقطع الاذن الثانية في حالة التكرار وفي المرة الثالثة فان العقوبة هي الاعدام.
ان القانون يعرف الهارب بأنه الغائب عن وحدته من دون اذن مشروع لمدة تزيد علي 15 يوماً، وهذا يعني في حالات معينة مثل المرض المفاجئ الشديد وعدم امكان الاتصال خصوصاً الظروف الراهنة للاتصالات والمواصلات، فان ابن الريف البعيد قد يعرض نفسه لاحدي تلك العقوبات، وهذا القرار هو الآخر يسري بأثر رجعي.
وقد منح القانون للمتخلفين والهاربين مدة 7 أيام فقط قبل سريان نفاذ هذا القانون، وذلك للعودة إلي وحداتهم أو مراكز سوقهم، وتسليم أنفسهم علماً بأنه من الصعب علي ساكني الريف علي سبيل المثال، أن يسمعوا أو يطلعوا علي تلك القرارات بتلك السرعة.
ولا يفوتنا هنا الاشارة إلي القرار 117 لسنة 1994 القاضي بقطع اليد أو الاذن أو الوشم (حسب الأحوال) لكل من قام أو ساعد علي ازالة الوشم أو أجري عملية تجميل لليد أو الاذان المقطوعة، بل أن هذا القرار ضاعف العقوبة وذلك بتثبيتها في كل الوثائق الشخصية من هوية الأحوال المدنية أو دفتر الخدمة العسكرية، أو شهادة الجنسية.
وقيل إن هناك قرارات تعاقب بقطع اللسان لم نستطع التثبت منها، فقد وردت إلي الشبكة العراقية بعض المعلومات، التي لم تتوثق منها بعد، رغم ما نشر في بعض صحف المعارضة إلي أن السلطات العراقية، أقدمت علي قطع لسان شخصين من أبناء مدينة الحلة وأمام أنظار جمهرة كبيرة وسط المدينة بتهمة اهانة الرئيس. ورغم أن الأمر يثير الكثير من التداعيات الانسانية والقانونية، فلم تنشر صحيفة الوقائع العراقية الرسمية أي قرار أو مرسوم صادر عن مجلس قيادة الثورة بهذا الخصوص، وتقول بعض المصادر إن اللجوء إلي هذه الأساليب يستهدف احداث نوع من الرعب والفزع بين المواطنين.
اننا من خلال المتابعة للسجل اليومي لحقوق الانسان، نلاحظ ظاهرة اخري تتكرر باستمرار، تتمثل في أن أجهزة الحكومة العراقية والمسؤولين الأمنيين لا يكتفون حتي بذلك القدر من القوانين والقرارات ذات العقوبات الغليظة فنراهم يلجأون إلي خروقات أخري لحقوق الانسان حتي خارج اطار تلك القرارات، علاوة علي أن رئيس الجمهورية له حق إلغاء أو ابطال أو تغيير قرارات المحاكم (ففي اطار ما يعرف بالصراع العائلي قد يساق بعض المحسوبين علي العائلة إلي السجون ويحاكمون وفق تلك القرارات، أو يحتجزون لفترات وما ان تصفي الخلافات حتي يتم اصدار عفو أو يغلق ملف القضية بالكامل).

زرع الخوف والرعب
ان تلك القرارات والقوانين وطريقة صياغتها وأسلوب سريانها وتنفيذها تكاد تؤكد حقيقة مفادها أنها سنت ليس للحفاظ علي المجتمع والأمن الاجتماعي وحمايته أو الدفاع عن الوطن، أو غيرها من المسوغات الاجتماعية والوطنية للقوانين وللمساعدة في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل انها صدرت من اجل زرع الخوف والرعب والشك في المواطن أو بهدف تصفية فئات معينة أو تحجيمها أو وضعها في كل الأحوال تحت طائلة المراقبة أو سيف القصاص. وبالتالي فان هذه القوانين تفتقد إلي مبادئ الشرعية القانونية والحقوقية، كما انها تسيء إلي القانون أو القرار وتحوله إلي أداة قمعية لانتهاك الحقوق بدلاً من كونه أداة للحماية والدفاع عن الحقوق.
وليس وضع القضاء بأحسن حال، فالقضاء نفسه غير مستقل، علاوة علي وجود نظامين قضائيين، الأول هي المحاكم الجزائية العادية التي تطورت وشكلت تقاليدها قبل ومنذ انشاء الدولة العراقية، ولكنها في الوقت الراهن تعاني من تدخلات كثيرة في شؤونها بزعم الظروف الاستثنائية والحصار، في حين تنتشر الرشوة والفساد والمحسوبية والمنسوبية مما يؤثر علي نزاهة الأحكام.
وهناك ثانياً المحاكم الأمنية والخاصة، وهي في الغالب سرية في رجالها ومهماتها وأساليبها وقراراتها، وغالباً ما يكون رجالها من العسكريين أو رجال الأمن وهم وغيرهم في الغالب من غير المختصين في المجال القضائي، وان جلساتها وأساليب محاكماتها تتنافي وأبسط مبادئ حقوق الانسان فحق الدفاع مفقود أو شكلي تماماً، والأدلة تعتمد علي التقارير الأمنية وتقارير المسؤولين، وعلي ضوء ذلك تصدر أحكامها، كما ليس من الواضح ان كان هناك حق الاعتراض أو الاستئناف علي تلك القرارات.
وفي بعض الحالات تكون الاحكام قد حددت سلفاً ضد (المتهمين) بتأثيرات سياسية أو غير سياسية علي القضاة أو أن يكون بعض المتهمين قد لقوا حتفهم تحت التعذيب قبل مثولهم أمام المحكمة واعلان الاحكام ضدهم. وفي أحيان أخري يكون المتهم قد قضي نحبه في المعتقل ليصدر حكم باعدامه فيما بعد. وهناك عدد من الحالات التي تحتفظ الشبكة العراقية بتفاصيلها.

الصحافة والإعلام وحرية الكلام
صحيح أن الدستور المؤقت ينص علي احترام حرية الكلام والصحافة ولكنه يشترط (تطبيقاً للتوجه الثوري والقومي والتقدمي) في حين أن الحكومة والحزب الحاكم يملكان ويسيران ويشرفان ويراقبان جميع الصحف والمجلات ووسائل الاعلام بما فيها التلفزيون والاذاعة، بما فيها اصدار الكتب الذي يخضع إلي موافقة أو موافقات من قبل وزارة الثقافة والاعلام أو الاجهزة الأمنية. والاعلام مسخر بشكل متطرف لخدمة رئيس الجمهورية، لذلك فلا مجال للحديث عن حرية الصحافة وحرية النقد، والنقد يظهر فقط في المجالات التي تسمح بها الحكومة أو تعطي الضوء الأخضر لها، أو الذي تمارسه هي نفسها عبر الصحف والوسائل التي يديرها الابن الأكبر للرئيس، وليس هناك صحف معارضة أو مستقلة وفق أضيق تفسير لهذا المفهوم، بل حتي، المحطات التلفزيونية ومنها الفضائيات لا تقوم بأي اتصال مباشر مع المواطنين بشكل عفوي فمعظم الاتصالات تسجل وتذاع خدمة لأغراض ومواقف الحكومة.
وعلي الرغم من أن تعيين الصحفيين ورؤساء التحرير والمذيعين ومقدمي البرامج يخضع لاعتبارات عديدة أولها الأمنية حيث يشترط موافقة الجهات الأمنية عليهم، فان هناك رقابة مستمرة، بل وخفارات علي مدار الساعة، في كل ما ينشر، ويجبر الصحفيون بشكل مباشر وغير مباشر علي كتابة موضوعات محددة. وليس للصحفيين الأجانب والمراسلين أي مجال للحركة الحرة حتي أن مقراتهم تقع داخل وزارة الثقافة والاعلام، أضف إلي ذلك القوانين الصادرة في هذا المجال، ومنها قانون الصحافة الذي ينص علي تحريم الكتابة في 12 موضوعاً، ويعاقب بأقسي العقوبات بما فيها الاعدام كل من يحاول (اهانة الرئيس) أو أي مسؤول حكومي رفيع المستوي، وقد اختفي واختطف العديد من الصحفيين تحت تلك المزاعم.
وهناك معلومات تقول انه عذب أو أعدم العديد من الصحفيين والأدباء والفنانين والكتاب المعروفين، ولعل أكثر من جهة طالبت بالكشف عن مصير الصحفي والكاتب المعروف عزيز السيد جاسم الذي اختفي قسرياً في عام 1991. كما اختفي قسرياً منذ عام 1980 الفقيه القانوني الدكتور صفاء الحافظ والباحث الاقتصادي الدكتور صباح الدرة ولم يعرف مصيرهما حتي الآن، كما غيب في الفترة ذاتها العلامة الاسلامي البارز السيد محمد باقر الصدر واخته الكاتبة الاسلامية بنت الهدي الصدر وكذلك السيدة عايدة ياسين القيادية في رابطة المرأة العراقية، وهناك الكثير من الأسماء الأخري.
وفي شهر أيلول (سبتمبر) 2000 القي القبض في الحدود العراقية الأردنية علي الأستاذ الجامعي والصحفي هاشم حسن، حيث كان في وقت سابق قد رفض تكليف نقيب الصحفيين عدي صدام حسين له برئاسة تحرير أحد منشوراته، ولا يزال مصيره مجهولاً.
وتصدر بين الحين والآخر قوائم بأسماء صحفيين وكتاب وأدباء ممن تعتبرهم جهات متنفذة في السلطة خارجين عن القانون ومرتدين يجب عقابهم (كما نشرت ذلك صحيفة الزوراء الرسمية) وذلك لمجرد أنهم تركوا بلدهم هرباً أو انهم أقدموا علي الكتابة في صحف معارضة ولم يعرف عن أي من الأسماء ارتكب أي عمل عنفي، غير الكتابة واعلان الرأي. وصدرت منذ عقدين من الزمن أو ما يزيد قوائم بأسماء عدد كبير من رجال العلم والثقافة والأدب والفكر والصحافة الذين تم منع تداول كتبهم.
ان المواطن العراقي يمنع من امتلاك وسائل الاستقبال الفضائي ويعاقب القانون مالكيها بأشد العقوبات، وحتي الآن علي الرغم من أن التصريحات الرسمية سمحت بامتلاكها بهذا الشكل أو ذاك، إلا أن الأمر لا يزال غير واضح تماماً، ومما يعقد الأمر أكثر عدم توافرها في السوق وارتفاع أسعارها بالنسبة لدخل المواطن.
ان هناك رقابة شديدة علي البريد وأجهزة الهاتف، وان العراق من البلدان القليلة، التي يجب أن تسجل فيه كل آلة كاتبة أو جهاز تكثير واستنساخ عند دائرة الأمن، وتخضع للمراقبة والموافقة كل الكتب الصادرة والمنشورة بما فيها الجامعية.
ان نشر أو مجرد امتلاك أي منشور مناهض للسلطة يعرض صاحبه لعقوبة الاعدام، (انظر القانون 840 القسم الثاني، الفقرة الثانية) ولا ندري كيف تفسر هذه العبارات... أما استخدام الانترنت فهو الآخر ممنوع تحت حجج وذرائع مختلفة. وقد ضجت وسائل الاعلام وبقيت تتحدث لايام طويلة عن (الخطوة الجبارة والتطور العلمي المطرد) بعد فتح مركز واحد للانترنت في بغداد.

جريدة (الزمان) العدد 1219 التاريخ 42-5-2002