الاهداف الحقيقية وراء قرار اعدام مسؤولي النظام السابق!

فارس محمود

2011 / 8 / 5

اعلنت قبل ايام وزارة العدل خبر واعلان قرب اعدام 5 من مسؤولي النظام السابق، وهم الذي اصدرت المحكمة الجنائية العليا سابقاً احكام باعدامهم وذلك لادانتهم بقضايا مختلفة. من الجدير بالذكر ان احكام الاعدام بحق كل "المدانين" قد صدرت من قبل المحكمة في فترات قد تصل بعضها الى عام 2008 !!

ليس لهذه العملية، اي "عقوبة" الاعدام بحق المسؤولين السابقين، اي صلة بتحقيق العدالة او تطبيق القانون وغير ذلك من امور. وبالاخص اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار "قدم" هذه "الاحكام"، يبرز امامنا عامل اخر اكثر اساسية وجوهرية في اعلان وزارة مايسمى بـ"العدل". ان تاريخ و توقيت اعمال القتل هذه يثبت ذلك.

اهداف واقعية!

ان هذا التوقيت ليس نابعاً من فراغ. اذ لايمكن فصل هذه الاعمال الاجرامية، التي من المفترض ممارستها بحق المسؤولين السابقين للنظام البعثي الفاشي القومي، عن مجمل العملية السياسية ومساراتها والصراع الحاد المتجذر في الهيئة السياسية الحاكمة والصراعات الوطيسة بين اقطاب واطراف العملية السياسية من قوميين وطائفيين.

ان مايجري هو مسعى لتوجيه ضربة من قبل جناح في السلطة الحاكمة، حزب الدعوة الحاكم وائتلافه الوطني الهش، لجناح اخر، للتيار الغريم القومي الذي يتزعمه علاوي. هذه الازمة التي تكشر يوميا عن انيابها في كل قضية وكل زاوية من زوايا العملية السياسية الراهنة، وتبرز يوميا باشكال ولبوسات مختلفة حادة واخرها موضوعة الفيدرالية و"تهديدات" اسامة النجيفي، رئيس البرلمان بهذا الصدد. هذه الازمة التي بلغت اوجها بالحرب الاعلامية الحامية الوطيس بين كلا الجناحين واعمال التسقيط التي قام بها كلا الطرفان تجاه بعض والتي ان خفف اجتماع الطالباني شيئاً من وتيرتها وحدتها اليوم، الا انها لازالت نار رابضة تتنتظر الانطلاق والاندلاع من جديد.

ان المالكي، العاجز عن القيام باي شيء من شانه ان يلبي حاجة او مطلب واحد من مطاليب الجماهير المحتجة لحد الان، ليس بيده سوى ورقة الاعدامات والقتل والقمع وغيرها. انه الشيء الوحيد الذي يستطيعه! فيالبؤسه! ان هجوم المالكي شخصيا على وزير العدل في اجتماع مجلس الوزراء الذي نقلته شاشة العراقية في وقته، بهدف الاستعراض لا اكثر، استعراض ان هناك حكومة تعمل، هو وصمة عار على جبين المالكي وسلطته. اذ انه، وبعد انقضاء 100يوم التي وعد بها بالاصلاح مفلساً وفاشلاً الى ابعد الحدود، لم يكن لديه رد على الجماهير المحتجة سوى الهجوم على وزير العدل بما معناه (لا اعرف مبرر عدم تنفيذ اوامر وقرارات اعدام صادرة كثيرة لحد الان؟!) داعياً الوزير على العمل بجدية على الموضوع (!!) هذا كان رده على مطاليب الجماهير بتحسين البطاقة التموينية، انهاء الفساد، توفير الخدمات، الماء والكهرباء وغيرها! انه دليل كاف لانعدام الاهلية، اهلية الرد على حاجات ومطاليب الناس الفورية وغير قابلة للتاجيل.

مايقوم به المالكي اليوم هو ليس مطلب جماهير العراق. انه ليس امينا لمشاعر من ارتكبت بحقه وبحق احبائه واناسه جرائم النظام السابق! فليست هذه قضيته. ان قضيته في مكان اخر. تبيان سلطته، اقتداره ردا على سلطة واقتدار هشين، رداً على ارض تميد تحت اقدامه. انه لايامن حتى لاقرب حلفائه في الائتلاف، ناهيك عن خصومه المباشرين والسافرين. اذ هاهو التيار الصدري يفرض الشروط تلو الشروط عليه، يرفع عصا التهديدات تلو التهديدات، ويقوم باستعراض عسكري لجيش المهدي امام انظار المالكي ودولة اللاقانون ورغم انفهما، ولاحياة لمن تنادي!!

في الوقت ذاته، ان التصوير الذي يسعى المالكي لتعميمه واشاعته، والادعاء بانه "مدافع" و"نصير" ضحايا الارهاب وعوائلهم، بوجه مساندي الارهاب وداعميه (وقصده جناح علاوي) هو ثنائية كاذبة الى ابعد الحدود، لا اساس لها من الصحة. انها محاولة بائسة لحرف انظار الجماهير في العراق واللعب على ورقة مشاعرهم وماسيهم ولربط نفسه بالجماهير وقضاياهم. انه، بسجونه السرية وبلطجيته واجهزته القمعية السرية وباعمال الاختطاف والتعذيب والقتل التي مارسها بحق الكثير من الابرياء، واخرهم المحتجين في ساحة التحرير في بغداد، طرف اساسي في هذا الارهاب الذي عم العراق منذ سقوط النظام البعثي.

على من تنطلي لعبة الطالباني هذه؟!

ليس ثمة خزي في عالمنا المعاصر بقدر ان هناك لرئيس جمهورية هو اساساً شكلياً، بروتوكولياً، وعديم الصلاحية، نائباً يتمثل موقعه ودوره الوظيفي بـ "نائب رئيس الجمهورية لشؤون الاعدامات"!!! انه خضير الخزاعي السيء الصيت الذي قبل هذا الدور بفخر "يُحسد" عليه!! اي دولة هذه؟! في عالم تتسابق الدول الواحدة تلو الاخرى نحو الغاء "عقوبة"، وبالاحرى جريمة، الاعدام الذي وقعت عليه اكثر من 100 دولة لحد الان، فان دولة اللاقانون وحكومة المالكي الطائفية القومية المليشياتية تشرع منصب لنائب رئيس جمهورية لشؤون الاعدامات؟!! من الواضح انها احد النتاجات والابداعات والابتكارات الحديثة لديمقراطية الطالباني-المالكي المعمدة بالدماء الامريكية-الايرانية؟!

الادهى من هذا، يقال ان الطالباني لايوقع على قرارات الاعدام لانه محامي وعضو في الاشتراكية الدولية. ولهذا احال التوقيع على قرارات الاعدام الى نائبه الخزاعي المتشرف بمهنته الجديدة بالمصادقة على اعمال القتل.

ان الطالباني التي قتل حزبه 5 كوادر من الحزب الشيوعي العمالي بدم بارد واياديه ملطخة باعمال القتل التي جرت في كردستان طيلة عقود سواء في "بشت اشان" وصولا الى "حرب الاخوة" ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني او بوجه العديد من الاحزاب المعارضة، ناهيك عن اعمال القتل والتصفيات والاغتيالات في مدن كردستان، يتحدث عن انه لايوقع على قرارات اعدام؟! من يريد الطالباني ان يخدعه بهذه الترهات؟! ان ماهو معروف كتقليد في كل انحاء العالم، من حيث اليات العمل، ان النائب يعني الرئيس سواء في غيابه او عند التخويل. بهذا التخويل، زكى وايد الطالباني القتل دون ان يضع بيده قلم التوقيع، الذي اسرع طائفي رجعي ومتخلف وعديم القيمة والضمير ما لينوب عنه في هذه المهمة. ولهذا انها لعبة باهتة وساذجة الى ابعد الحدود.

ان كان الطالباني امين لمبادئه فعلا، وهو امر مستبعد كلياً، عليه ان يقف بوجه هذا الحكم الاجرامي، اعمال القتل التي تمارسها الدولة بدم بارد بحق مواطنيها! عليه، ان يقف بوجه هذه الجريمة المرتبطة بالعصور المظلمة من تاريخ البشرية. عليه ان يحاربها، يقنع المجتمع والبرلمان ويشن نضال لاهوادة فيه من اجل الغاء هذه الجريمة. بيد ان ليس ثمة من ينتظر هذا من الطالباني. على الطالباني ان يرد اولاً على اغتيال 5 من رفاقنا، عليه ان يرد على العشرات الذين سالت دمائهم في بشت اشان والقائمة تطولن قبل ان يتحدث عن الغاء الاعدام.

ينبغي الغاء حكم الاعدام!

ينبغي ان يرفع هذا السيف المسلط على رقاب الناس، سيف يشهر على راس الاخرين لاهداف معينة تخص الطبقات الحاكمة قبل اي طرف اخر. سلاح لايهدف الى تعويض احد بشيء، ولا انهاء جريمة ما، ولاتخفيف معاناة احد، ولامواساة اهالي الضحية ومساندتهم في ازمتهم. انه سيف ارهاب مسلط، سيف ترويع وتخويف، سيف اداة ضغط ومادة للمساومات السياسية وفرض التراجعات على بعض.

يجب ان تستاصل هذه الجريمة من حياة المجتمع. ليس للطبقات الحاكمة الحق بالاستهتار بحياة الاخرين لمصالح واغراض ليس لها اي صلة بتحسين حياة او اوضاع الناس. ان بدن الانسان وجسمه، بل وكرامته وشعوره واحساسه يجب ان يحترم ويصان. كرامة الانسان وشعوره واحساسه هي اخر اشياء قائمة حكومة قومية، طائفية ومليشياتية دموية. هذا الحكومة يجب ان تزاح من حياة الجماهير. ان مستقبلاً افضل يمر عبر هذه القناة، ازاحة السلطة القائمة. انها مهمة الطبقة العاملة وسائر الجماهير المحرومة والداعية للحرية والمساواة. انها مهمتنا.