بعد جريمة قتل الطفل عدنان، لا لإلغاء عقوبة الإعدام

محمد ياسين

2020 / 9 / 26

في الأيام القليلة الماضية اهتز المغرب اهتزازا شديدا على وقع جريمة اغتصاب وقتل راح ضحيتها طفل يبلغ من العمر 11 سنة اسمه "عدنان"، عدنان البريئ أصبح حديث الكل ولاقت قضيته تعاطفا منقطع النظير، ولكن أبرز سمة في هذه الواقعة بعد التعاطف الكبير مع عدنان وأسرته هي البعث الجديد لفكرة الإعدام، حيث خرج الناس في مسيرات و وقفات حاشدة مطالبين بضرورة العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام المجمدة في المغرب منذ سنة 1993، إلى هنا الأمر يبدو عاديا بحكم أن العامة من الناس خاضعون لتأثير الثقافة والعرف والموروث الديني الذي يسلم بأن جزاء القتلة الغاشمين هو الموت وأن "الهاجم يموت شرعا" كما يقول المغاربة، لكن المفارقة في قضية عدنان أن الفاعلين الجمعويين والحقوقين والمثقفين الذين كانوا حتى الأمس القريب يرفضون عقوبة الإعدام قد انسلخوا من قضيتهم و أخذوا يتساقطون كأوراق الخريف واحدا تلو الآخر حتى أصبح معظمهم في المعسكر الذي يريد تفعيل العقوبة من جديد .
بالنسبة لي لا استطيع تصور كيف أن مفهوم الإنسانية أصبح ملازما للدفاع عن القتلة والمجرمين في القرن الواحد والعشرين، في حين أن الإمام ابن حزم في القرن الرابع الهجري يرى أنه من الإنسانية إدانة من أسقط جنينا في بطن أمه أو أجهضه بالإعدام، إن كان ذلك الجنين قد تجاوز 120 يوما اعتبارا للإنسانية في أصغر أطوارها، بل إن هذا هو نص قانون حمو رابي في العصور الغابرة .
قبل ذلك، عندما قررت كتابة هذا الموضوع في محور "إلغاء عقوبة الإعدام" هنا على الحوار المتمدن، شدني عنوان في نفس المحور لمقالة كتبت عليه (البعد السياسي والاجتماعي لعقوبة الإعدام) حيث يدافع كاتب المقالة عن نظرية إلغاء الإعدام، ومع أن مروري عليها كان خاطفا، لكنني أدركت أن كل ما قام به الكاتب هو اختصار لكتاب "المقصلة" لالبير كامو وهذا ما لم يخفه صاحب المقالة، مع إضافة بعض البهارات والإحصائيات لتأكيد وجهة نظره .
فكامو كان واحدا من أبرز المعارضين لعقوبة الإعدام إذ يعتبرها مجرد انتقام قانوني وأن الرؤوس التي تقطع ليست إلا ألواحا يقرأ عليها أصحاب النوايا الإجرامية مستقبلهم وليست برادعة لهم، فالناس أصلا عند كامو لا يؤمن بالعبرة حتى يعتبر المجرمون ويرتدعون! كما أن المجرمين لا يعتبرون أنفسهم مذنبين بحال، ولذلك يدعو كامو لإلغاء عقوبة الإعدام والاستعاضة عنها بحبس القاتلين مددا طويلة وتركهم لضمائرهم تؤنبهم وتؤرقهم وتعاقبهم، ولمن أراد الاطلاع على فلسفة كامو حول الاعدام فعليه بكتابه "المقصلة" ترجمة جورج طرابيشي، والكتاب بالمناسبة لا يتجاوز 87 صفحة .
بالنسبة لي كقارئ فإن المقالة السابق ذكرها لا تعدو أن تكون مجرد حشد وتكديس للجمل والحروف والأرقام دون أية معنى، وبالنسبة لي كمتعاطف مع الطفل عدنان وعائلته فإنها مقالة مستفزة، أما بالنسبة لأبوي الطفل وأسرته أولئك الذين ذاقوا الفقد في أقسى تجلياته واختبروه، فإنها حتما ستكون مقالة جارحة تعمق جراحهم أكثر وتدميها، ونفس الشيئ بالنسبة لكتاب كامو ولكل الشعارات التي تنتهي إلى نفس الغاية.
من هنا قد يقال بأن تشبث الناس بضرورة تطبيق الإعدام في حق المجرمين، البيدوفيل قاتل الطفل "عدنان" على سبيل المثال، هو في الأساس مجرد تشبث علته الاندفاع العاطفي، وهذا صحيح نسبيا، هي عاطفة لأنهم أحسوا بمعاناة الضحية وأسرة الضحية، وهذا الاحساس دفعهم لوضع أبنائهم في موضع الطفل الضحية، كما دفعهم لوضع أنفسهم مكان أسرة الضحية، وهكذا؛ فإن العاطفة غدت أعمق حيث لم تبقى مجرد مسألة تعاطف، بل إنها باتت تعبر عن خوفهم على حياتهم وعلى حياة أبنائهم، لأنهم يؤمنون عميقا -بسبب غريزة الحياة التي تدب في كل الكائنات- بأن عقوبة تقتضي سلب الحياة من سالبي الحياة كفيلة بضمان حياتهم وحياة ابنائهم، وهكذا تسقط مقالة كامو الزاعمة بأن الناس لا يؤمنون بالعبرة والردع وتسقط معها مقالة أن الإعدام ليس إلا انتقاما أو ظاهرة قائمة على العاطفة ولا شيئ غير العاطفة .
فالتشبث بعقوبة الإعدام فيه بعد عاطفي، وفي نفس الوقت يتجسد في بعد اجتماعي يقوم على مبدأ "العبرة" لغاية الردع من دون أدنى شك ، ثم يا سيدي لنسلم جدلا أن عقوبة الإعدام مجرد صرخة للعواطف ولا مكتسبات اجتماعية ترجى منها، لكن أليست مناهضة عقوبات الإعدام في حق القتلة مجرد عاطفة محضة ؟ أليست مجرد تعاطف مفرط ولا مشروط مع الجاني ؟! كل هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن المجرم -الذي يقترف القتل في مجتمعات تسري فيها عقوبة الإعدام- هو الذي اختار الموت لنفسه وبنفسه.
إننا نحن في الحقيقة مجرد متطفلين عندما نعطي لأنفسنا الحق في الدفاع عن القاتلين، فنحن في النهاية لسنا إلا مشاهدين بل وللأسف بعضنا مجرد متفرجين ، أما حق الحكم في النهاية فراجع إلى الضحايا أنفسهم أولئك الموتى الذين حكم عليهم قتلتهم بالصمت الأبدي كما حكموا عليهم بالموت .
في سنة 1622 أقدم الانكشاريون على إعدام السلطان العثماني عثمان الثاني ابن أحمد الأول، وأثناء الاغتيال قاومهم السلطان وقتل ثلاثة منهم على الرغم من أنه كان أعزلا ولم يكن يرجو من مقاومتهم النجاة فهو يعلم أن موته أمر حتمي .
وبعيدا عن جرائم السلاطين العثمانيين، يمكن الاستناج من هذه الواقعة (وغيرها كثير) بأن الضحايا دائما ما يرومون الموت لقتلتهم وهذا هو السلوك الطبيعي، فمن نحن لكي نصادم إرادة المظلوم وننصر إرادة الظالم و وفق أي معيار نقوم بذلك !؟؟!
بل إن هناك الكثير من الوقائع التي أقدم فيها الجناة على بذل أعناقهم لسيف الجلاد من تلقاء أنفسهم، فقط لأن شمعة النور التي أنارت ضمائرهم أخيرا قد أضرمت النيران في أكوام المشاعر العنيفة والنوايا الإجرامية المكدسة في أعماقهم، وهكذا فإن الإعدام يغدو أرأف بهم من حياة تطاردهم فيها أشباح قتلاهم وتعذبهم أرواح ضمائرهم، حياة يريدها لهم كامو على الرغم من إيمانه بأنهم يعتقدون انهم غير مذنبين !
وإنه لمن الغرابة بمكان أن بعض المناهضين لعقوبة الإعدام ومن بينهم كامو يسعون لتقويض مبدأ العدالة الذي هو جوهر عقوبة الإعدام بالإضافة إلى الردع، ببعض الحجج التي تعطي انطباعا بأن عقوبة الإعدام أكثر قسوة من جريمة القتل! مثلا يذكر كامو بأن المجرم المحكوم بالإعدام يعيش رعبا وفزعا لم يعشه الضحية المقتول وذلك خلال كل الفترة التي تمتد من لحظة نطق الحكم وإلى غاية تنفيذه، وهكذا فهو يموت في كل لحظة آلاف المرات، عكس القتيل الذي أزهقت روحه في لحظة خاطفة! في محاولة للبرهنة على أن الجزاء ليس من جنس العمل .
وهذا استنتاج غريب جدا يتراقص جورا وحيفا، لأن عقوبة الإعدام لا توازي بأي حال من الأحوال فظاعة الجريمة، لسبب بسيط وهو أنها لن تعوض المقتول بحياة أخرى، ولكون الضحية بريئ أما المجرم فمذنب، ولأن الضحية لم يختر الموت عكس القاتل الذي يدرك أن عقوبة الموت بانتظاره ثم قصد إليها عامدا مختارا، ولأن الضحية إنسان قد يفيد المجتمع بشكل أو بآخر عكس القاتل الذي ليس إلا مصدرا دائما للقلق ولأخطار !
تبقى مسألة الأرقام والإحصائيات التي تفيد بأن ثمة بعض الدول لا تطبق عقوبة الإعدام ومع ذلك فإن مستويات الجريمة فيها منخفضة مقارنة مع دول تنفذ الإعدامات، وكل هذا طبعا لا عبرة فيه، لسببين، الأول أن الأرقام متضاربة ويمكن الإتيان بعشرات الاحصائيات التي تجمع على أن هناك دول أخرى تطبق عقوبة الإعدام وفيها نسبة جريمة منخفضة جدا مقارنة بدول لا تطبق عقوبة الإعدام، وهذا بدوره يحيل إلى السبب الثاني وهو أن الإشكال ليس هو فشل فلسلفة الإعدام وعدم نجاعتها، ولكن ثمة عوامل وظروف أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار، من وعي اجتماعي وثقافة وديموغرافيا بالإضافة إلى العوامل السياسية والاقتصادية واللوجيستية.
أما عقوبة الإعدام فإنها تقوم على فلسفة واضحة، إذ أن جميع الكائنات تخشى على حياتها، حتى عندما تكون حياتها أقل قيمة من حياة الإنسان، فإن الكائن يذوب في غاية الحفاظ عليها، فما بالك بحياة الإنسان التي تحمل قيما وجدانية وعقلية وعاطفية تتجاوز البعد الجسدي والحسي لبقية الكائنات ؟
لأجل كل ذلك لا يسعنا إلا أن نحكم لعقوبة الاعدام بالنجاعة في شقها النظري، أما فشلها عمليا في بعض المجتمعات فلا يعني فشل النظرية .
وبالرجوع إلى قضية الطفل عدنان، فإن مطالب المواطنين للدولة باستئناف تنفيذ عقوبات الإعدام هو مطلب مشروع، لأنهم باتوا يعيشون خوفا غريزيا في ظل تنامي ظاهرة الإجرام، وبالغريزة ايضا يدركون أن الحياة هي أغلى ما لديهم وأغلى ما لدى المجرمين ولذلك فإنهم لا يثقون ولن يثقوا بحل آخر أكثر فاعلية من عقوبة الإعدام حتى وإن كتب لهم كامو ألف كتاب، وعلى الدولة أن تسعى لتلبية مطالبهم وتسكن مخاوفهم، فكما قال سبينوزا: إن غاية الدولة الأهم، هي تحرير الأفراد من الخوف، لكي يعيشوا معا دون أن يؤذي أي منهم الآخر ومع الأمن يأتي الاستقرار ثم الإبداع .

.