عن الإعدام

أيمن الساسي

2020 / 9 / 27

مشكلة العدالة أنها من دون تعريف محدد، يمكننا من إيجاد معايير دقيقة، لمعرفة العادل من غير العادل...هنا لم يبقى لنا إلا الحوار و مشاركة مختلف زوايا النظر...

لو نظرنا لقاتل و بحثنا عن عقوبة عادلة له، ستصادفنا عديد الآراء، البشرية بمختلف توجهاتها اختلفت حول ما يستحقه من عقوبة، هل يعدم أو يترك حيا مع عقوبة أخرى كالسجن مثلا،....

من الأسئلة التى تعترض الباحثين عن حكم عادل لقاتل مثلا، سؤال ما مدى تحمله لمسؤوليته، بعبارة أخرى هل كان حرا أثناء شروعه بالقتل؟ أم كان محكوما بجيناته، بيئته.... لكن الرأي الذي ذهب لنزع الحرية عنه، تراجع كون تركيبة الإنسان تفرض عليه الحرية فرضا، فالإنسان كائن الحرية قدره... كما أن نزع الحرية يقود لإسقاط كامل المنظومة الأخلاقية و القانونية التي تستوجب الحرية و بالتالي المسؤولية عما يصدر من الإنسان.... هذا لا يعني أن الرأي الثاني سقط بالمطلق كونه وجه النظر لعدة عوامل تتدخل في شخصية الإنسان و قراراته، دون أن تكون إجبارية... ما أثرى الموقف الأول...

الأديان هي الأخرى لم تترك المسألة تمر دون أن يكون لها رأي:

المسيحية مثلا دعت إلى تغليب روح المغفرة و التسامح، كون رد الفعل بفعل مماثل له اعتبرته مسألة لا أخلاقية، فلقد عارض المسيح صراحة عديد الأحكام التي تقر عقوبة القتل فى العهد القديم ( التوراة ) الذي اعتبره يفتقد للأخلاق في عدة مواضع.

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرّ بالشرَ... سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” إنجيل متى

بالنسبة للإسلام رغم كونه عمد إلى زرع قيم كالعفو و الرحمة في متبعيه، و نزع عادة الثأر و الانتقام من الناس،

" ... يسألونك ماذا ينفقون، قل العفو. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ...." سورة البقرة

لكنه لا يرى حرجا في قتل القاتل متى ثبت تعمده ظمن شروط محددة،

"... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى * الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ-- بِالْأُنثَىٰ-- .. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... " سورة البقرة

رغم إقرار الإسلام بعقوبة القتل فهو لا يمر لها مباشرة، و لا يربط إقراراها بأحد غير عائلة القتيل إن أقرت قتل القاتل كان الإعدام، و إن عفت سقطت العقوبة و نال القاتل حريته.

"... وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا... " سورة الإسراء

و حديث البخاري يدعم الآية : " ألا ومَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُو بِخَيْرِ النَّظَريْنِ بين أنْ يَقْتُل أوْ يأْخُذ الدّيَة "

و لئن قسم القرآن القتل لعمد و غير عمد، و حدد لكل منهما عقوبة معينة، فإن فقهاء الإسلام تناولوا نوعا ثالثا من القتل، يقع وسطا بين العمد و اللاعمد، كمن يرمي حجرا في الشارع لتسقط على رجل فتقتله، و إن كانت نية العمد حاضرة في رمي الحجر فإنها غابت عن القتل، هنا تدخل الفقهاء و جعلوا العقوبة دية مغلظة، كنوع من التشديد في العقوبة، حتى يفكر الناس أكثر في عواقب أفعالهم...

الفلاسفة هم الآخرون مختلفون بين مؤيد ككانط و رافض مثل دريدا....

لكن أليس رفض عقوبة الإعدام و التي تعني رفض القتل يحتم على معتنقيه الوقوف ضد جيوش بلدانهم، كون الجيوش من جملة مهامها القتل؟ و هل بتطبيق عقوبة الاعدام إنتهت جرائم القتل ماضيا و حاضرا؟