الله ضد الإعدام

أيمن الساسي

2020 / 10 / 4

في القصة الدينية, حينما أراد الله الارتقاء بالإنسان و جعله خليفة في الأرض، أي صاحب رسالة ثقافية-حضارية، احتجت الملائكة على تعيين مفسد، سافك للدماء... لقد كان الأولى عندها إعدامه لا جعله صاحب رسالة...

الإله رأى ما لم تراه، فرغم صحة ما قالته إلا أن في الإنسان جانبا خيريا لا يموت مهما بلغ شر الإنسان، و القوة الأخلاقية ليست في مبادلة الفعل بفعل من جنسه... بل في الاستثمار في جانب الخير فيه...

في نفس القصة، يكشف الله السر الذي جعله لا يفقد الأمل من الإنسان، هو القدرة على التعلم ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة. المعرفة إذن هي أحد أهم الأسلحة لمجابهة الشر.
في قصة أخرى، قابيل أحد أبناء آدم يقتل أخاه هابيل، يتدخل الإله مرة أخرى لا ليسحب منه حقه في الحياة، و يعدمه... كما يطالب المتدينون... بل يتدخل ليعلمه كيف يواري جثة أخيه... هاته المرة الملائكة لم تسأل أو تستنكر كونها أدركت أن الحق في الحياة، حق مقدس للجميع دون استثناء، و الاستثمار في إصلاح الناس أفضل من التركيز على إدانتهم و قتلهم تحت أي مسمى...

إن المبدأ العام الذي تتمحور حوله القصتان هو " (... مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ..) المائدة

تلك هي روح النص التي تنتصر للحياة لا للموت و غريزة العنف...

لكن إن كان ذلك المبدأ العام، فإن النزول به إلى الأرض ليس بالعملية السهلة، فالإنسان كائن معقد، و ليس كل الناس يبحثون عن الارتقاء الأخلاقي...

محاولة تنزل الموقف كما هو، ستبوء بالفشل في مجتمع تنتشر به الحروب ( كداهس و الغبراء... )، و عقلية الأخذ بالثأر....

الإسلام ليس دين روحي منزو في الجبال، كما أنه يدرك أنه لا يتعامل مع كائن كامل, لذلك سعى إلى إعادة بناء الشخصية العربية، انطلاقا من جملة قيم إنسانية، راهن أنها ستصنع شخصية جديدة أكثر إنسانية بطول الزمن... العفو كان أحد تلك القيم، حيث شجع عليه. " وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ * كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " البقرة

و العفو هو أقرب للتقوى ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) البقرة

قيمة أخرى هي السلم أيضا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ * إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) البقرة

كما عمد إلى الفصل بين القتل الغير عمد و الذي جعل عقوبته دفع دية لأهل القتيل، و بين القتل العمد الذي و إن تماشى مع عقوبة الموجودة، كون من الصعب إزالتها، ربط إقرار العقوبة بعائلة القتيل لا بقانون القبيلة، حتى يكسر العادة.. و يسمح بمجال أوسع للعفو، بعد أن تتخفف العائلة من عادات القتل و الثأر، و تتشبع بالقيم الجديدة...

( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) المائدة

في الآية يسمح القرآن لعائلة القتيل بالعفو, بالتالي الشخصية التي تشبعت بقيمة العفو ستختار العفو كونها تبحث عما هو أقرب للتقوى...

أخيرا أود من الناس التمييز ما بين المحكم أي الآيات المرتبطة بقيم كونية، و بين الآيات المرتبطة بطرق التطبيق و التي هي حبيسة الزمان و المكان، مرتبطة بثقافة الناس... و الذي نفهمه من القرآن أن الإنسان كلما زادت معرفته كلما نقص فساده و سفكه للدماء تحت أي مسمى...