بمناسبة اليوم العالمي الاول لمناهضة -عقوبة- الاعدام: يجب الغاء -عقوبة- الاعدام فوراً!

فارس محمود

2020 / 10 / 18

بمناسبة اليوم العالمي الاول لمناهضة "عقوبة" الاعدام:
يجب الغاء "عقوبة" الاعدام فوراً!


مرت قبل ايام اليوم العالمي الاول لمناهضة عقوبة الاعدام. لقد اختير يوم 10 من شهر تشرين الاول يوم مناهضة "عقوبة" الاعدام والنضال من اجل الغاءها. ان "عقوبة" الاعدام لهي امر بربري ومناهض للبشرية جمعاء فعلاً. انها احد بقايا العصور الوحشية والبربرية للبشر. انها لاتليق بالانسان. ان بقائها لهي وصمة عار رسمت بابشع الاشكال على جبين الهيئات الحاكمة وعلى جبين كل من يدافع عن هذه الجريمة ويبررها! ان البشرية تستحق مصيراً افضل من هذه البربرية.
ان الاعدام ليس بعقوبة، انها جريمة. جريمة بحق البشرية جمعاء وليس بحق من يطاله حكم الاعدام فقط. انه جريمة بحقنا نحن الاحياء قبل ان تكون بحق من طالته الجريمة. انها دلالة ومقياس على انعدام احترام النفس والذات الانسانية، دلالة وشاهد على مدى تدني مكانة واحترام وقدسية "الانسانية" و"الانسان". ان الطبقات الحاكمة، ولكي تضفي طابعاً من "القانونية" و"العدل القضائي وغير القضائي" على جريمة قتل النفس هذه، تسميها "عقوبة الاعدام" وتشيعه في اذهان البشر كانه شيء طبيعي وعادي. ان سعي الطبقات والهيئات الحاكمة لتلطيف هذه الجريمة عبر تسميتها بعقوبة لهو عمل مرائي ومخادع. ان امرء يقتل اخر، بيد ان الحكومة اوالدولة تعاقب احد ما بالاعدام!! رغم هذا، انهما (اي القتل والاعدام) لايقفان على قدم المساواة ولايمكن النظر لهما كامر واحد. ان "عقوبة الاعدام" لهي ابشع بمئات المرات من القتل. انه قتل مع سبق الاصرار والترصد، قتل وضعت الدولة له ساعة محددة، في اليوم الفلاني وفي الساعة الفلانية وبالطريقة الفلانية. تقوم بذلك رغم ما تعلمه، وبادراك تام، لما سيخلق من اسى وحزن لاطفاله، لاحبائه وللاخرين، بادراك تام لهول مشاعر واحاسيس الضحية العصية على الوصف. انها تقتل انسان عاجز تماماً عن عمل اي شيء. اذ بوسع القتيل ان يقاوم، يدافع عن نفسه، يهرب، يستنجد باحد ما، يصرخ، يلحق نوع من الضرر الجسدي بالمعتدي، يترك اثر ما بوسع الدولة ان تجد اثر تتعقب على اساسه المجرم، بيد ان من يعاقب بالاعدام عاجز عن القيام باي من هذه الامور الاولية والبسيطة لانقاذ حياته. على الاقل ان القتيل، ولحين موته، لديه امل ما ان شخص ما، يد ما، سواء بالصدفة ام بغيرها، قد تنقذه وتنهي هذا الكابوس المؤرق. بيد ان "المعدوم" لايساوره حتى هذا الامل البسيط! ان المعدوم حتى عاجز عن الامل بان تراود الدولة مشاعر تانيب الضمير والندم، وفي بعض الاحيان، الخبل والتعاسة التي ترافق القاتلين بعد لحظات من انقضاء انفاس صريعهم، وهو الامر المالوف عادة!!
يقال "ان هذه لا تتعدى كونها عقوبة! الا ينال المرء جزاء ما يقوم به من اعمال سواء اكانت سلباً ام ايجاباً؟!"، "ومن يرد حق الضحية ان لم ترده الدولة؟!" "وهل نترك القاتل يسرح ويمرح بعد ارتكابه جريمة قتل؟!". انها نفس الاكاذيب الوقحة. انا مؤمن ان الانسان مسؤول عن افعاله ويجب ان يتحمل تبعات اعماله (علما ان قصدي من كلمة تبعات هو يختلف تماماً عن المعنى غير الانساني والظالم والمدمِر الشائع). بيد ان طرح المسالة بهذا الشكل لايتعدى سوى خداع البشر. ان جلنا بابصارنا في هذا العالم، نرى تلك الحقيقة الجلية ان نسبة ضئيلة جدا من الذين يطالهم الاعدام هم من القتلة في بلدان كثيرة من العالم. ان 99% من الذين تطالهم هذه الجريمة هم الشيوعيون، التحرريون، قادة النقابات، المدافعون عن الحقوق والحريات السياسية والمدنية. على امتداد تاريخ البشرية، كان التحرريون هم اول ضحايا عمليات القتل، كان المنادون بتحسين ظروف العمال والزنوج والنساء، الكتاب والمثقفون والمفكرون هم اول ضحايا الاعدام. ان ذلك لايشمل بلدان مثل العراق وايران والسعودية وحسب، بل، وحتى الامس القريب، كان هذا شائعاً في نفس اوربا وامريكا وغيرها من بلدان العالم المتقدم. يعاقب الناس بالاعدام جراء تركهم جبهات القتال، بيع النساء لاجسادها، اقامة العلاقات الجنسية خارج الزواج، الانتماء للمنظمة الفلانية وممارسة العمل السياسي، شتم الملك او الرئيس، الكتابة ضد الدين والانبياء، الالحاد، تعاطي المشروبات الروحية، المخدرات والعلاقات المثلية وغيرها تحت يافطات "صيانة الوطن"، "احترام المقدسات"، "احترام مشاعر الاخرين" و"الاخلال بالامن الاجتماعي" وغيرها. ان "عقوبة الاعدام" لاتتعلق قط بمجازاة البشر على اعمالهم. انها تتعلق بسعي الهيئات الحاكمة لاخضاع الناس، اخافتهم، بث الرعب في افئدتهم كي تخضعهم!
في عالمنا هذه الموغل بالوحشية، ليس بالضرورة ان ينال المرء عقاباً جزاء ارتكابه فعلاً ما. على العكس من ذلك، كل زاويا من زوايا عالمنا المعاصر تشهد على خلاف ذلك. فاي جرم ارتكبه اكثر من مليون ونصف المليون انسان عراقي حتى يبادوا بهذه الطريقة (الحصار الاقتصادي)؟! ما الجرم الذي ارتكبه محمد الدرة؟! مالجرم الذي ارتكبته الملايين في راوندا؟! مالجرم الذي ارتكبه الفلسطينيون لكي يقتلوا بهذه الطريقة البشعة ويعاقبوا بتدمير بيوتهم وسحقها؟! ما الجرم الذي ارتكبه الاطفال كي يقتلوا مثل الكلاب السائبة في شوارع روديجانيرو؟! وغيرها. في عالمنا هذا، حتى الجنين في بطن امه يدفع ثمن وضع غير مسؤول عنه جراء كون والديه يعملون ام لا، سود ام بيض، كرد ام المان، يدفع ثمن ان امه لاتتمتع بتغذية ورعاية طبية حسنة جراء فقرها، يدفع الاطفال ثمن ولادتهم في البصرة وسائر مناطق العراق الملوثة بالمواد الحربية المشعة سرطاناً وشللاً وعوقاً وتخلف عقلي!! ترجم النساء بالحجارة في البلدان المبتلاة بالاسلام لا لذنب ارتكبنه سواء ان مكان ولادتهن لم يكن فرنسا والمانيا مثلاً!!
يتحفوننا بالقول "ان اعدام القاتل مثلاً ضرورة لكي يكون عبرة للاخرين"!! اليس ثمة سبيل اخر اكثر انسانية افضل من هذا لتعليم البشرية فداحة عمله ( بالطبع، اذا اتفقنا على كون الامر الفلاني جرماً. لان من المعلوم ان ما هو جرم عند دولة ما لايكون بالضرورة جرما عند اخرين) ؟! لايمكن ان يكون سلب حياة انسان سبيل مبرر مهما كان. اذ تبين حقائق الحياة على كذب هذا الادعاء. على العكس من ذلك، تبين الحقائق ان نسبة الجريمة (بالنسبة لعدد السكان) في البلدان التي تطبق فيها "عقوبة" الاعدام هي اعلى من تلك التي لاتطبقها. ففي امريكا التي لازالت تطبق "عقوبة" الاعدام هي اعلى من مثيلتها في البلدان الاسكندنافية او بريطانيا. ليس ثمة سبيل لصيانة حياة الاخرين انجع من اشاعة احترام الانسان وحقوقه وحياته على جميع الاصعدة. في مجتمع يهان الانسان فيه يومياً الف مرة، تسحق كرامته، يداس على كبريائه وعزة نفسه، يعاني الاغتراب والاستلاب الروحي والمعنوي، غارق في اجواء الياس، البطالة، انعدام الامل والقلق من المستقبل، لايمكن ان ترتجي من الاغلبية احترام مكانة الاخرين. انها سبب الجريمة وارضيتها المادية الخصبة. انه لامر معروف انه كلما زادت مكانة الانسان وحرمته في المجتمع، كلما قطع الطريق على تجاوز الفرد على الاخرين. والعكس بالعكس. في مجتمع حر ومتحرر وانساني ومرفه، يغدو اهانة احد ما امراً صعباً ومبعث استهجان الجميع، تغدو قدسية الانسان وكرامته عقلية المجتمع وجزء من الواعي الذاتي للافراد. ان هذا وحده بوسعه ان يكون الضمان من عدم تكرار اعمال القتل او الجريمة.
ان شيوع الجريمة او قلتها في المجتمع ليست ذا صلة بتاتاً بوجود قوانين الاعدام من عدم وجودها. انها ذات صلة مباشرة بالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. لهذا، على قول ماركس، تثبت حقيقة الامور "على ان العالم، ومن زمن قابيل، لايتم اصلاحه و لا اخافته. انما بالعكس تماماً". بالعكس تماماً ان تطاول الدولة على جسد الانسان يغري الانسان بالتطاول على جسد ابن نوعه. بيد ان هذا المبرر الساذج لاينفع جواباً على قضية وجود الجريمة في المجتمع ودرئها، بل ينفع، بصورة مدروسة، للتغطية على دوافع الجريمة واسبابها. ان الطبقات الحاكمة وسائر بنيتها السياسية والفكرية تنشد تبرئة النظام القائم والقاء مجمل مسؤولية الجريمة على فرد، المجرم. ان نقطة الانطلاق في تناول الموضوع هي حركة المجرم وليست مجمل الظروف المادية التي ساقت المرء نحو هذه اللحظة المؤلمة. ان واقع الحال يثبت تلك الحقيقة الجلية: رغم كل الاعدامات التي اقيمت طيل تاريخ البشرية، لم تثني البشر عن الجريمة!! اذن "عقوبة" الاعدام ليست هي جواب القضية. ان جوابها في مكان اخر وهو الامر الذي تتستر عليه الطبقات الحاكمة. ان جوابها يكمن في استئصال اجواء الجوع والفقر والبطالة والاغتراب، ان جذورها تكمن في نفس وجود المجتمع الطبقي الاستغلالي الذي هو مصدر كل عنف. ان هذا المجتمع يربي الانسان على العنف والمنافسة، القوي ياكل الضعيف، ويحشون ادمغة البشر بان العالم كان هكذا وسيبقى هكذا ولايبقون في ذهنه اي مجال له للامل بعالم اخر. ولكن، وحين يرتكب المرء جرما ما، استناداً الى هذه الخلفية المريرة، تقوم الدولة باعدامه حتى يكون عبرة للاخرين!! اي منطق مقلوب هذا!
ومن الذي خول الدولة بالقتل؟! انها نفس القوانين البربرية والعبودية التي تعامل المواطن بوصفه اسير الدولة، تابع لها، واحد املاكها، بوسعها ان تقرر بحقه ما تشاء!! ولماذا يدفع المجرم ضريبة تعليم الاخرين؟! على المجرم ان ينال جزائه على عمله هو وليس له ادنى ربط بدفع ثمن ابهض حتى يرتدع الاخرين. وقبل هذا وذاك، لماذا يدفع المرء حياته ثمن جريمة ارتكبها مهما كانت هذه الجريمة!!
يقال ان هدف "الاعدام" هو "مواساة اهل القتيل"!! انه "تسكين لجراح اهل القتيل"!! "لا يتحمل اهل القتيل رؤية قاتل ابنهم على قيد الحياة يعيش فيما يكون عزيزهم تحت التراب"! بوسع المرء ان يدرك ويفهم مشاعر غضب عائلة الفقيد وسخطهم على مرتكب الجريمة. بيد ان هذا لايعطي اي حقانية للمطالبة باعدام المجرم. ان السؤال المطروح هنا: لماذا يتم تسكين جراح اهل القتيل بقتل شخص اخر؟! ليس بوسع مجتمع انساني ان يستند الى "الانتقام"، ذلك التقليد والعاطفة المتخلفة والرجعية وغير الانسانية. ليس بوسع البشرية ان تهتدي بمقولات العصور البربرية. لايمكن ان تسيّر حياتها مثل هذه المقولات. "العين بالعين والسن بالسن" ليست مقولات البشرية الساعية نحو التحضر والسعادة. ان "الانتقام" عاطفة مرتبطة بالماضي، بيد انها لاتقول اي شيء عن الغد. انها لا تقول شيئاً عن سبل الحيلولة دون تكرار هذا الحدث الاليم مهما ادعو بالعبرة كذباً. انها تبقي الانسان في دائرة الدم والثار والحقد! ان هذا امراً غير مقبول اطلاقاً! ليس للانتقام اي ربط بالعدالة. ان العدالة ليست بمفهوم سلبي. انها لاتعني تقسيم المحن والمصائب على الاخرين. ان العدالة مفهوم ايجابي ومطلب انساني عميق.
على العكس من هذا، ان المبررات المطروحة اعلاه تنفع كدليل ضد عقوبة الاعدام اكثر من تاييدها لهذه العقوبة. اذ يبقى السؤال قائماً ايضاً: اذا سكَّنْنا جراح اهل القتيل عبر اعدام القاتل، من الذي يسكن جراح اهل القاتل وحزنهم؟! ان قيام احد افراد العائلة بالقتل لايخفف قيد انملة من مشاعرهم تجاهه واحساسهم بمكانته العاطفية لديهم رغم ادراكهم لحجم الماساة التي ارتكبها. يجب ان يكون ثمة معيار انساني للتعامل مع هذه القضايا، بيد ان الانتقام مفهوم ليس له اي معيار او قانون. انه يستند فقط للهيجانات والاحساسات اللحظية المضطربة والبعيدة كل البعد عن اي معيار انساني! انه معيار اللحظة و وطأة اثار اللحظة. ولهذا، لايصلح ان يكون ان يكون الانتقام معياراً!
ان حق الحياة ليس مثل اي حق اخر. انه ليس مثل حق ضمان البطالة، ولامثل سائر الحقوق السياسية والمدنية. ان سُلِبَ هذا الحق من البشر، ليس ثمة مجال لانتزاعه مثلما يجري مع باقي الحقوق. ليس الاعدام باصلاح. بعد تنفيذ الاعدام، لايبقى شيء تصلحه! ان حق الحياة ليس حق الدولة او اي مؤسسة كما انها ليست حق الجماهير. انه ليس موضوع نرجع به لراي احد ولا حتى لراي الجماهير. يجب الوقوف بوجه "عقوبة" الاعدام، يجب التصدي لها لما له من وضع حد لتطاول الطبقات العليا على "الدنيا". ان الغاء جريمة الاعدام ضروري جداً لوضع المحدوديات امام استشراء الطبقات العليا.
العاشر من تشرين الاول-اكتوبر من كل عام هو يوم التاكيد مطلب الغاء الاعدام! ان ثمة حركة عالمية ضخمة تعمل من اجل انهاء هذا التطاول على حياة الانسان، فلننضم لها!

(نشرت لاول مرة في 6 تشرين الثاني 2002 في صفحة الحزب الشيوعي العمالي العراقي الالكترونية والحوار المتمدن)