الإعدام حل فاشل لتغطية مشاكل إجتماعية أكبر

بكر محي طه

2020 / 10 / 30

عندما شرع الإنسان حُزماً من القوانيين لتخدم مصالحه وتهذب نمط حياته نحو الأفضل وتجعلها تسير وفق نظامٍ متعادل في الحقوق وبعدها الحريات، وان هذه القوانيين قابلة للتعديل والحذف والإستحداث وفقاً لما تتطلبه الحاجة الفعلية لها، إذ هنالك قوانيين تنادي بحرية الانسان والتعبير وكذلك حق الحياة مكفول للجميع، والهدف الاساسي منها هو العيش الكريم في إشارة الى رقي الحياة البشرية، وهنالك قوانيين اخرى قاسية وغير إنسانيةً البتة كالإعدام والهدف الأساسي منها هو الردع والتنبيه الحازم تجاه فعلٍ معين يشوه النظام الحياتي للبشر.
وقد أستمر هذا الحال في تطورٍ الى الأن ولكن بوحشيةٍ أكبر، فلم يكن مقدراً للبشرية بالاستمرار من دون حروبٍ وخرابٍ ودمار تحت مسمى حماية القدسية للشيء الفلاني، اذاً فان الاعدام لم يقتصر على شخصٍ مسيئ وإنما شهدت البشرية اعدامات كثيرة ولاعدادٍ مهولة كلها تحت بند العقاب الرادع للحيلولة دون حصول امرٍ معين، الامر الذي يترتب عليه أثار إنتقام وثأر في المستقبل والذي بالتأكيد لم ينل سوى من الضعفاء أو قليلي الحيلة في الحياة فهم لا ذنب لهم سوى إنهم أحفاد أسلافٍ قتلوا ونكلوا بفئة معينة من الناس في زمنٍ ليس ببعيد أو حتى سحيق.
فمعظم البشر يؤمنون بمبداً الثواب والعقاب ولا يؤمنون بمبداً الانسانية والحرية الفردية لأنها أساس بناء المجتمعات المتحضرة التي تسعى الى التطور والبناء على الدوام، وإن حصلت بعض القضايا الشاذة التي تدخل ضمن الجانب النفسي لكن هذا لا يعني بأن الإعدام كان رادعاً لها بقدر تهيئة الفرد للعيش بمجتمعٍ يحترم كل الآراء والفيصل في الإختلاف هو المحاكم المختصة وليس القتل والتبرير بذلك بعذر أقبح من ذنب، إذ يبدو أن الرادع الحقيقي ليس العقوبة بقدر الفرصة الحقيقية بحياة أفضل خالية من الظلم والاضطهاد تجاه من هم بلا قوة أو ملتزمين بقانون الحياة التعايشي.
الإعدام ليس الحل النهائي لمشاكل البشرية، وإنما البحث والوقوف على أهم المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والتي تهدد سلم الإنسانية هو الأهم كونها تمس حياة البشر بشكل مباشر، والدليل فأن الذهاب الى الإعدام كحل رادع للبشر المسيء لم يحول لإيقاف الجرائم ولا الإغتصاب ولا القتل العمد بغض النظر عن السبب الرئيسي لها، في حين هناك من يذهب الى معالجة المشكلة الأساس التي دفعت الانسان الى القتل كالفقر وغياب القانون والإضطهاد المجتمعي أو الطبقي والدفاع عن النفس.. الخ، وهو الاصح كون المجتمع الذي يبنى على الاساس الطبقي وقانونه يطبق على فئة دونما اخرى وكذلك يتسم بالظلم الاجتماعي فبالتأكيد ستكون نسبة الجريمة فيه مهولة وبالمقابل نسبة الإعدامات ستكون أكبر في محاولة يائسة للحد من الجرائم من خلال التخويف بسلب الحياة لا العمل الصادق لإيجاد حلول مجتمعية جذرية لكل مشكلة يكون أساسها الجانب البشري حتى لا يتحول المجتمع الى كتلة لحمية صماء بلا مشاعر تنتظر فرمها أو كهربتها أو حتى حقنها بالسم!.
ولأجل الوقف الفعلي على أولى خطوات المجتمع المدني السليم لابد من بناء نظام يضمن ويحمي ويدافع عن الحقوق الفردية الانسانية وكذلك الحيوانية والنباتية والتي نادراً ما يتم ذكرهم مع العلم أنهم كائنات حية مثلنا، بما يضمن العيش بسلام لأن الكوكب الازرق هو ملك الجميع ولا يصح التعدي على حقوق الكائنات الاخرى أو حتى تهميشها فقط لأنها لا تمتلك لسان أو عقل، فأبسط الامور وأسهلها هو اللبنة الأساس في بناء النفس البشرية القائمة على التشارك وليس السلب والتخريب الجائر تحت مسمى البقاء للاقوى.
إذاً عقوبة الإعدام ماهي إلا فشلٌ واضح على التنظيم المجتمعي السيئ ليبقى اللوم على نتائج الانسان وليس على ما مر به أو ما أوصله الى هذه المرحلة، ليأتي المدافعين عن الإعدام ويبرروا بأنه الحل الامثل لعدم تكرار حادثةٍ ما وكأن المشكلة في حياة أو ممات هذا الانسان وليست في تنشئة مجتمعية خاطئة تميل الى الحلول القمعية بدل الحلول الإنسانية الجذرية للمشاكل المجتمعية المتراكمة منذ عصور.
وفي المحصلة النهائية فأن الإعدام لن يوقف غريزة القتل والتخريب والاغتصاب بل سيكون مبرراً لها إذ ان الفرد سيكون متخذاً لقرار اللاعودة في تنفيذ هذه الامور، ولما لا فهو لا يخضع لتعليم ولا توجيه ولا رعاية طبية ولا حتى ثقافة مجتمعية بل يعامل كشيء جماد ثانوي وليس كإنسان، فالموت بالنسبة له مجرد نهاية محتملة لامفرٍ منها فيما عدا التنمر والاضطهاد المتعمد لفئات كثيرة من المجتمع ولسنوات تراكمية ولدت هذه الافعال المنافية للقيم الانسانية.
وهذا لا يعني بانهم على حق وليفعلوا ما يحلوا لهم بالعكس لكن لو كان الإعدام حلاً جذرياً لمشاكل البشر التي تكبر يومياً لما سمعنا بحوادث الا ما ندر على إعتبار ان البشرية تتخذ من الانسانية مذهباً ودين يوحد الجميع لا مشروع يبرر القتل على أساس ردود الأفعال بسبب الظلم المجتمعي للبشر فيما بينهم ليكون الحل الوحيد هو سلب الحياة (الإعدام) بدل الإصلاح المجتمعي الذاتي للأفراد لننعم بحياة إنسانية بحتة تستحق التأمل والتفاخر بها.