ضد عقوبة الإعدام

سعود سالم

2021 / 10 / 3

نذكر هنا سلسلة القصص المصورة اليابانية (مانجا) والمعروفة بإسم "مذكرة الموت" للكاتب "تسوجومي أوبا Tsugumi Ōba" والرسام "تاكيشي أوباتا Takeshi Obata"، للتدليل على بؤس العقل الإنساني المعاصر وضمور خياله وعقله لدرجة تبعث على اليأس والإحباط. أحداث القصة تدور حول شخصية "لايت ياجامي Light Yagami"، وهو طالب في المرحلة الثانوية من دراسته، ذكي على ما يبدو وذو خيال واسع، يحب الخير والهدوء والنظام، ويؤرقه ما يراه حوله من شرور وجرائم تثير القشعريرة في جسده كلما فكر فيها ناهيك عن الفساد الذي استشرى في كافة طبقات المجتمع. وقد عثر ذات يوم بالصدفة على مذكرة لها قوة سحرية خارقة للطبيعة وتحمل اسم Death Note (مذكرة الموت) تمنح لمستخدمها القدرة على قتل أي إنسان عن بعد وبدون أن يلمسه، شرط أن يكون قد رآه في السابق، وذلك عن طريق كتابة اسم الضحية في المذكرة مع تذكر واستحضار صورته في المخيلة، فالإسم وحده لا يكفي لتعيين الضحية لوجود أناس كثيرين يحملون نفس الإسم كما يبدو. وتسرد أحداث القصة محاولة "لايت" لإقامة عالم تتوفر فيه السعادة والأمن، مكونا من البشر الذين يحبون الخير، خالِ من الشر والجريمة، ويكون، بطبيعة الحال، هو الحاكم المطلق لهذا العالم المتخيل وذلك باستخدام المذكرة السحرية لقتل كل من يعتقد كونه شريرا، وينظف العالم من البشر الذين لا يستحقون الحياة في نظره. ولا نشك أننا نسبح هنا في عالم الشر ذاته، وهو نفس البرنامج الذي قامت عليه كل دكتاتوريات العالم، أي إختيار البشر الذين يستحقون الحياة حسب المعايير التي تختارها وتدمير البقية. الإعتقاد الطفولي بأن الجريمة توجد لأنه هناك مجرمون، التخلص من المجرم وقتله يعني محو الجريمة من المجتمع، ناسين حقيقة بسيطة وفي منتهى البساطة، وهي أن المجتمع ذاته هو الذي ينتج المجرم والجريمة معا، فليس هناك من يولد مجرما أو قاتلا منذ اليوم الأول لحياته، وإنما نخلق مجرمين وقتلة ونكونهم وندربهم في مصنع المجتمع الكبير. وننسى حقيقة أخرى أكثر بساطة من الأولى، بأنه من المستحيل أن نخلق مجتمعا يخلو من القتل مستعملين القتل كوسيلة للوصول إلى هذا الهدف، فالوسيلة التي نستعملها لا يمكن أن تكون متناقضة مع الهدف المنشود. فالغاية لا يمكن أن تبرر الوسيلة، بل على العكس من ذلك، الوسيلة جزء لا يتجزأ من الهدف المنشود ولا يمكن أن تنفصل عنه أو تكون في تناقض معه. ولكن هذه البديهيات البسيطة عادة ما تغيب عن عباقرة الفكر والفن والفلسفة والسياسة. وعندما أبدى البعض إشمئزازهم وتقززهم وإدانتهم الشديدة للطريقة الهمجية التي قتل بها الديكتاتور القذافي، أجاب الجميع وتقريبا بدون إستثناء بأنه يستحق هذه الموتة الشنيعة وبأنه لا داعي لمحاكمة مثل هذه المخلوقات، ولا داعي لتبديد الوقت والأموال، بل يجب قتله وفي أسرع وقت ممكن، مثل كلب. بطبيعة الحال، الطريقة التي نعامل بها الأعداء تدل على هوية المجتمع بكامله وتشير بما لا يدع مجالا للشك إلى المستقبل الذي ينتظره. رفضنا للقتل وعقوبة الإعدام دافعه ليس الرأفة بالمجرم أو بالمحكوم عليه بالموت، وإنما بالقتلة أنفسهم وبالمجتمع الذي يمثلونه. لأن قتل الدكتاتور القذافي تم بإسم الثورة الليبية وباسم الشعب الليبي بأكمله. ونحن نعرف أن الذي يقتل مرة ويتذوق طعم الدم، فإنه سيواصل القتل مرات ومرات، وهذه هي الدوامة التي تعاني منها ليبيا والعراق وسوريا، ومصر، وغيرها، حمامات يومية من الدم والإغتيالات والتفجيرات والحرائق، وصراع مستميت على كراسي السلطة وما يتبعها.